النسل وعمارة الأرض في القران الكريم:السنن القرآنية لاستمرار المجتمع وبناء التوازن الديموغرافي بعد الحروب
تُنظّم أمانة المؤتمر الدولي «حوكمة السكان والأسرة في تشكيل مجتمعات المستقبل» التابع لجامعة الإمام الحسين (عليه السلام)، بالتعاون مع الاتحاد العالمي للأساتذة الجامعیین:
ناقشت ندوة «النسل وعمارة الأرض في القرآن الكريم» قضية النسل بوصفها قضية قرآنية وحضارية تتجاوز البعد السكاني والديموغرافي الضيق، لتتصل بمفهوم الإنسان، والأسرة، والاستخلاف، واستمرار الأجيال، وحفظ مقومات الحياة، وبناء المجتمع القادر على النهوض والاستمرار..
وانطلقت الندوة من رؤية قرآنية تؤكد أن وجود الإنسان على الأرض ليس وجودًا عابرًا، وإنما هو وجود مرتبط بالأمانة والمسؤولية والعمارة قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، ومن هنا يصبح الحديث عن النسل حديثًا عن استمرار حامل أمانة الاستخلاف، وعن الجيل الذي سيتولى مواصلة مسيرة البناء والعمران وحفظ القيم والمعرفة والثقافة.
وأوضحت الندوة أن القرآن الكريم لا يقدم النسل باعتباره مجرد زيادة في عدد السكان، وإنما يربطه بالصلاح والتقوى والعبادة والمسؤولية، فالقيمة القرآنية للذرية لا تقاس بكثرتها المجردة، بل بقدرتها على أن تكون امتدادًا صالحًا للإنسان والمجتمع، وهو ما يظهر في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40]، وفي الدعاء بإصلاح الذرية: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15
وبذلك كشفت الندوة عن فارق أساسي بين الكثرة العددية والاستمرارية الحضارية، فالنسل الذي يصنع المستقبل ليس مجرد أجيال تتعاقب، وإنما أجيال تتربى وتتعلم وتعمل وتحمل القيم وتشارك في بناء المجتمع، ومن هنا تصبح الأسرة نقطة البداية في مشروع الاستمرارلأنها المجال الأول الذي يستقبل الإنسان ويكوّن شخصيته وينقل إليه الإيمان والقيم والمعرفة والانتماء.
كما تناولت الندوة العلاقة بين النسل والموارد وعمارة الأرض، مبينة أن القرآن لا يفصل الإنسان عن البيئة التي يعيش فيها، ولا يفصل النمو البشري عن مسؤولية المحافظة على مقومات الحياة، فالقرآن ينهى عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، ويؤسس لعلاقة مسؤولة بين الإنسان وما أودعه الله في الأرض من موارد ورزق.
وعليه، فإن قضية النسل لا يمكن أن تُختزل في سؤال: كم عدد الأبناء؟ وإنما تمتد إلى سؤال أعمق: أي إنسان نريد أن نُنشئ؟ وأي مجتمع نريد أن نبني؟ وكيف نهيئ للأجيال القادمة شروط الحياة الكريمة والتعليم والعمل والأمن والاستقرار؟
وتوقفت الندوة بصورة خاصة عند أثر الحروب والأزمات في النسل والعمران، باعتبار أن الحرب لا تترك آثارها في لحظة وقوعها فقط، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى أجيال متعاقبة، فالقتل والفقد والنزوح وتدمير المساكن وتعطيل التعليم والإنتاج وإضعاف الأسرة، كلها عوامل تؤثر في قدرة المجتمع على استمرار حياته الطبيعية وانتقال الخبرة والقيم من جيل إلى جيل.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن المجتمع الخارج من الحرب لا يحتاج إلى معالجة آثار الخسارة المادية فحسب، بل يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان والأسرة والروابط الاجتماعية ومؤسسات التعليم والإنتاج والرعاية، فالتعافي الحقيقي لا يعني مجرد انتهاء الحرب، وإنما الانتقال من مرحلة النجاة إلى مرحلة استعادة الفاعلية، ومن حفظ البقاء إلى استئناف البناء.
وقد استحضرت الندوة في هذا الإطار قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، باعتبار أن النهوض المجتمعي يبدأ من القدرة على إعادة بناء الإنسان وشروطه الداخلية، ثم يتحول إلى عمل اجتماعي وعمراني ومؤسسي
كما أبرزت الندوة دلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، في بناء رؤية لا تتعامل مع الأزمات باعتبارها نهاية لمسيرة المجتمع، وإنما باعتبارها ظرفًا يستدعي استنهاض الطاقات وإعادة ترتيب الأولويات وبناء أسباب النهوض.
وفي ضوء ذلك، أكدت الندوة أن استعادة النسل بعد الأزمات لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد تعويض للأعداد التي فقدها المجتمع، وإنما بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء البيئة التي يستطيع فيها الجيل الجديد أن ينمو ويتعلم وينتج ويشارك في صناعة المستقبل، فالطفل ليس رقمًا ديموغرافيًا، وإنما إنسان يحتاج إلى أسرة مستقرة، وتعليم، ورعاية، وأمن، وقيم، وفرص للعمل والمشاركة.
ومن هنا برزت الأسرة في الندوة بوصفها إحدى أهم وحدات استعادة المجتمع لعافيته، فهي المتأثرة بالحرب والأزمات، لكنها في الوقت نفسه من أهم أدوات إعادة البناء، فالأسرة المستقرة تعيد تشكيل الروابط الاجتماعية، وتحتضن الجيل الجديد، وتنقل القيم، وتوفر الرعاية، وتحافظ على الذاكرة والانتماء، وتمنح الإنسان مساحة لاستعادة توازنه بعد الأزمات، ولذلك فإن حماية الأسرة وإسنادها وإعادة تأهيلها ليست قضية اجتماعية هامشية، بل هي جزء من إعادة بناء المجتمع نفسه.
كما تناولت الندوة مفهوم القوة الاجتماعية للنسل، بعيدًا عن اختزال القوة في الكثرة العددية، فوجود أجيال قادرة على التعليم والعمل والإنتاج والدفاع عن المجتمع وحفظ المعرفة والقيم والثقافة يمثل قاعدة أساسية لاستمرار المجتمع، ومن هذا المنظور يصبح النسل عنصرًا من عناصر القوة الحضارية عندما يقترن بالتربية والعلم والعمل والمسؤولية..
وفي الجانب الآخر، ناقشت الندوة العلاقة بين النسل والتمكين، فالتمكين في المنظور القرآني لا يعني مجرد امتلاك الأرض أو الموارد، وإنما القدرة على إقامة نظام اجتماعي وقيمي قادر على أداء وظائفه وتحقيق الاستقرار والبناء، ولذلك فإن إعداد جيل جديد يتطلب أكثر من توفير أسباب بقائه، بل يتطلب تمكينه من أن يكون جيلًا فاعلًا يحمل مسؤولية المستقبل.
وتطرقت الندوة كذلك إلى أهمية التعاون الاجتماعي في مواجهة آثار الأزمات، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] فإعادة بناء المجتمعات المتضررة لا يمكن أن تتحول إلى مسؤولية فردية، وإنما تحتاج إلى تضافر الأسرة والمجتمع والمؤسسات، وإلى استعادة شبكات التكافل والرعاية والتعليم والعمل.
وفي سياق الحديث عن آثار الصراع، بيّنت الندوة أن القرآن يقدم تصورًا واسعًا لآثار الاعتداء، فلا تتوقف الخسارة عند الإنسان وحده، بل قد تمتد إلى البيوت ومؤسسات المجتمع ومواضع العبادة والذاكرة الثقافية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]
وانتهت الندوة إلى أن النسل وعمارة الأرض مساران متكاملان في الرؤية القرآنية، فالنسل يضمن استمرار الأجيال، والعمارة تهيئ شروط استمرار الحياة، والتربية تمنح هذا الاستمرار معناه، والعمل يحوله إلى قوة إنتاجية، والقيم تحفظ اتجاهه، والاستخلاف يمنحه غايته الكبرى.
وبذلك فإن القضية ليست في مجرد إنجاب جيل جديد، وإنما في صناعة جيل قادر على حمل أمانة الجيل السابق ومواصلة البناء، جيل يتعلم ويعمل وينتج ويحفظ القيم ويصنع المعرفة ويشارك في إعمار الأرض.
وأكدت الندوة في ختامها أن المجتمعات التي مرت بالحروب والأزمات تحتاج إلى رؤية تتجاوز توصيف الخسارة إلى بناء شروط الاستمرار، رؤية تقوم على إعادة بناء الإنسان، وتقوية الأسرة، واستعادة التعليم والإنتاج، وتحقيق الأمن، وتمكين الأجيال، وحماية الموارد، وإحياء المعرفة، وتعزيز التعاون الاجتماعي، وهذه العناصر مجتمعة تشكل منظومة متكاملة لاستعادة المجتمع قدرته على الحياة والبناء.
ومن هنا تبرز الرسالة المركزية للندوة: أن النسل في القرآن ليس قضية أعداد، وعمارة الأرض ليست مجرد عمران مادي، وإنما كلاهما جزء من مشروع قرآني متكامل لاستمرار الإنسان الصالح، وبناء المجتمع القادر على حمل أمانة الاستخلاف، وتحويل الألم والفقد والأزمات إلى طاقة للبناء وصناعة المستقبل.
تُنظّم أمانة المؤتمر الدولي «حوكمة السكان والأسرة في تشكيل مجتمعات المستقبل» التابع لجامعة الإمام الحسين (عليه السلام)، بالتعاون مع الاتحاد العالمي للأساتذة الجامعیین:
🔰الندوة التمهيدية التخصصية الثانية و الاربعون تحت عنوان:
*النسل وعمارة الأرض في القران الكريم:السنن القرآنية لاستمرار المجتمع وبناء التوازن الديموغرافي بعد الحروب*
🎙المحاضر:
الدكتورة سوسن الفضلي – اليمن
دكتوراه في التفسير وعلوم القران ورئيسة مؤسسة ن القرآنية وعضو في الاتحاد العالمي للأساتذة الجامعيين
رابط الجلسة،:
https://meet.google.com/drm-ikga-eah
🗓 موعد انعقاد الندوة:
يوم الاحد 28 شهريور 1405 هـ.ش.، الموافق ٢٠ سبتمبر/أيلول 2026م.
🕙 التوقيت:
الساعة20:30 مساء بتوقيت طهران 🇮🇷
والساعة 20:00 مساء بتوقيت مکة المکرمة 🇮🇶
🌐حوكمة السكان والأسرة في تشكيل مجتمعات المستقبل
🌐 International Conference on Population and Family Governance in Shaping Future Societies
🖥https://icpg.ihu.ac.ir
🆔 @ICPG1st