وبینار

تاثير الدراما التلفزيونية على تغير نمط الحياة في المجتمعات الاسلامية

♦️تُنظّم أمانة المؤتمر الدولي «حوكمة السكان والأسرة في تشكيل مجتمعات المستقبل» التابع لجامعة الإمام الحسين (عليه السلام)، بالتعاون مع الاتحاد العالمي للأساتذة الجامعیین: 🔰الندوة التمهيدية التخصصية الثالثة و خمسین تحت عنوان: «تاثير الدراما التلفزيونية على تغير نمط الحياة في المجتمعات الاسلامية»

Dr.mo Alkhatib:

 تأثير الدراما التلفزيونية على تغير نمط الحياة في المجتمعات الإسلامية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. وعلى ال بيته الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تُعد الدراما التلفزيونية من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا في حياة الإنسان المعاصر، فهي لا تقتصر على تقديم الترفيه، وإنما تسهم في تشكيل الأفكار والاتجاهات والصور الذهنية لدى المشاهدين. ومع انتشار المسلسلات والأعمال الدرامية المحلية والعربية والأجنبية في المجتمعات الإسلامية، أصبحت الدراما عنصرًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وأخذ تأثيرها يمتد إلى أنماط التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية والقيم والعادات.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين الدراما التلفزيونية وتغير نمط الحياة في المجتمعات الإسلامية، مع النظر إلى آثارها الإيجابية والسلبية بصورة متوازنة، بعيدًا عن اعتبار الدراما خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا؛ فالتأثير يختلف بحسب مضمون العمل، وطريقة تقديمه، وعمر المشاهد، ودرجة وعيه، والبيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة به.

أولًا: مفهوم الدراما التلفزيونية

الدراما التلفزيونية هي مجموعة من الأعمال التي تُعرض عبر التلفزيون أو المنصات المرئية، وتتناول قصصًا وشخصيات وقضايا اجتماعية وإنسانية مختلفة.

وقد تكون الدراما:

اجتماعية.

تاريخية.

دينية.

كوميدية.

رومانسية.

بوليسية أو تشويقية.

واقعية أو خيالية.

وتختلف آثار هذه الأنواع باختلاف الموضوع والقيم التي تقدمها وطريقة معالجتها.

ثانيًا: كيف تؤثر الدراما في نمط الحياة؟

تؤثر الدراما في المشاهد من خلال التكرار والتأثير العاطفي وقوة الشخصيات والقصة، وقد تجعل بعض السلوكيات أو أنماط الحياة تبدو طبيعية أو مرغوبة.

ومن أهم المجالات التي يمكن أن يظهر فيها هذا التأثير:

المظهر والملابس:

قد تؤثر الشخصيات الدرامية في اختيارات المشاهدين للملابس وتسريحات الشعر والاهتمام بالمظهر.

العادات اليومية:

يمكن أن تساهم الأعمال الدرامية في تغيير طريقة قضاء أوقات الفراغ، وأنماط الطعام والترفيه، واستخدام وسائل التواصل.

العلاقات الأسرية:

قد تقدم الدراما نماذج مختلفة للعلاقات بين الآباء والأبناء وبين الزوجين وبين أفراد المجتمع.

اللغة وطريقة التعبير:

قد تنتشر بعض الكلمات والتعبيرات واللهجات بين الجمهور نتيجة تكرارها في الأعمال المشاهدة.

النظرة إلى المجتمع:

يمكن للدراما أن تغير تصورات المشاهد تجاه قضايا مثل العمل والتعليم والزواج ودور المرأة والشباب وغيرها.

ثالثًا: الآثار الإيجابية للدراما التلفزيونية

1. نشر الوعي بالقضايا الاجتماعية

يمكن للدراما أن تطرح مشكلات اجتماعية مهمة، مثل العنف الأسري، والتنمر، والفقر، ومشكلات الشباب، وأهمية التعليم، مما يساعد على لفت الانتباه إليها وتشجيع الحوار حولها.

2. تعزيز القيم الإنسانية

يمكن للأعمال الهادفة أن تشجع على قيم مثل الصدق، والتعاون، والتسامح، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، وبر الوالدين، ومساعدة المحتاجين.

3. التعريف بالتاريخ والثقافة

تستطيع الدراما التاريخية والثقافية أن تقرّب الأحداث والشخصيات التاريخية من الجمهور، وتساهم في تعزيز الاهتمام بالتراث والهوية الثقافية.

4. تطوير المعرفة والمهارات

بعض الأعمال تتناول موضوعات علمية أو مهنية أو ثقافية، وقد تدفع المشاهد إلى البحث والتعلم والاطلاع بصورة أكبر.

5. تعزيز الحوار حول القضايا المجتمعية

عندما تتناول الدراما قضية اجتماعية بصورة مسؤولة، فإنها قد تفتح المجال للنقاش بين أفراد الأسرة والمجتمع، وتساعد على فهم وجهات النظر المختلفة.

6. الترفيه والاسترخاء

الترفيه حاجة إنسانية طبيعية، ويمكن للدراما الجيدة أن توفر وسيلة للاستراحة والترويح عن النفس بعد الدراسة أو العمل، بشرط ألا تتحول إلى إفراط يضر بالواجبات اليومية.

رابعًا: الآثار السلبية للدراما التلفزيونية

1. التأثير في القيم والعادات

قد تعرض بعض الأعمال سلوكيات تتعارض مع قيم المجتمع أو ثقافته، ومع التكرار قد يصبح المشاهد أكثر تقبلًا لبعض هذه السلوكيات، خصوصًا إذا قُدمت بصورة جذابة ومن دون بيان نتائجها.

2. تقليد الشخصيات

قد يتأثر بعض المشاهدين بالشخصيات المشهورة فيقلدون طريقة كلامها أو ملابسها أو سلوكها، وخاصة صغار السن والمراهقين الذين يكونون أكثر تأثرًا بالنماذج التي يشاهدونها.

3. تكوين صورة غير واقعية عن الحياة

قد تقدم بعض المسلسلات حياة مليئة بالرفاهية أو العلاقات المثالية أو الأحداث المبالغ فيها، مما قد يجعل المشاهد يقارن حياته اليومية بما يراه على الشاشة، مع أن الدراما في الأساس عمل تمثيلي وليس صورة كاملة للواقع.

 

4. زيادة الاستهلاك

قد ترتبط بعض الأعمال بالإعلانات أو تعرض أنماطًا استهلاكية معينة، مما يمكن أن يشجع على الرغبة في شراء منتجات أو تقليد أنماط معيشية لا تتناسب دائمًا مع إمكانات الفرد أو أسرته.

5. التأثير في العلاقات الأسرية

الإفراط في متابعة المسلسلات قد يقلل الوقت الذي يقضيه أفراد الأسرة معًا في الحوار والأنشطة المشتركة، وقد يؤدي إلى ضعف التواصل إذا أصبح التلفاز أو الهاتف محور الحياة الأسرية.

6. إضاعة الوقت

قد يؤدي الإفراط في مشاهدة الدراما إلى إهمال الدراسة أو العمل أو النوم أو ممارسة الهوايات والأنشطة الاجتماعية.

7. تقديم بعض السلوكيات العنيفة بصورة جذابة

عندما تُعرض مظاهر العنف أو الجريمة بصورة مثيرة أو جذابة دون معالجة مسؤولة لعواقبها، فقد يؤدي ذلك إلى التأثير في تصورات بعض المشاهدين تجاه هذه السلوكيات.

خامسًا: تأثير الدراما في الأسرة والمجتمع الإسلامي

تتميز المجتمعات الإسلامية بتنوعها، إلا أنها تشترك في منظومة واسعة من القيم الدينية والاجتماعية والأسرية. ولذلك فإن تأثير الدراما فيها لا يرتبط بالمحتوى وحده، وإنما يرتبط أيضًا بمدى توافقه مع ثقافة المجتمع وقيمه.

فالدراما التي تحترم الأسرة والخصوصية الثقافية وتقدم قضايا المجتمع بصورة مسؤولة يمكن أن تكون وسيلة للتوعية والإصلاح.

وفي المقابل، فإن الأعمال التي تركز على الإثارة أو تقدم أنماطًا سلوكية متعارضة مع قيم المجتمع دون سياق نقدي قد تسهم في حدوث تغيرات سلبية في بعض الاتجاهات والسلوكيات.

وهنا يجب التأكيد على أن المشاهدة لا تعني بالضرورة التقليد؛ فالمشاهد يمتلك القدرة على التفكير والنقد والتمييز بين ما هو درامي وما هو واقعي.

سادسًا: كيف نستفيد من الدراما ونقلل آثارها السلبية؟

يمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من الخطوات، منها:

اختيار الأعمال التي تحمل مضمونًا هادفًا وقيمًا إيجابية.

تنمية التفكير النقدي لدى الأطفال والشباب، وتعليمهم التمييز بين الخيال والواقع.

عدم الإفراط في المشاهدة وتنظيم الوقت.

تعزيز دور الأسرة في الحوار حول ما يشاهده الأبناء.

تشجيع إنتاج أعمال درامية تعالج قضايا المجتمع بطريقة مسؤولة.

الاهتمام بالدراما التاريخية والثقافية التي تقدم المعرفة بأسلوب جذاب.

عدم الحكم على جميع الأعمال الدرامية بالحكم نفسه، لأن محتواها وتأثيراتها تختلف من عمل إلى آخر.

سابعًا: دور الأسرة والمؤسسات التعليمية

لا تقع مسؤولية التأثير الناتج عن الدراما على وسائل الإعلام وحدها؛ فالأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية لها دور مهم في بناء شخصية قادرة على الاختيار الواعي.

فالأسرة تستطيع أن تناقش أبناءها فيما يشاهدونه، وتوضح لهم أن الشخصيات والأحداث الدرامية ليست بالضرورة نموذجًا للحياة الواقعية.

كما تستطيع المؤسسات التعليمية أن تنمي لدى الطلبة الثقافة الإعلامية، أي القدرة على تحليل الرسائل الإعلامية وفهم أهدافها وتمييز المعلومات الواقعية عن المحتوى الترفيهي.

الخاتمة

في ختام هذه الندوة، يمكن القول إن الدراما التلفزيونية أصبحت جزءًا مؤثرًا من الحياة المعاصرة، وأن تأثيرها في نمط الحياة داخل المجتمعات الإسلامية يمكن أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا بحسب طبيعة المحتوى وطريقة تقديمه وطريقة تعامل المشاهد معه.

فالدراما الهادفة تستطيع أن تكون وسيلة للتوعية والتعليم وتعزيز القيم ومناقشة المشكلات الاجتماعية، بينما قد يؤدي المحتوى غير المسؤول أو الإفراط في المشاهدة إلى بعض الآثار السلبية، مثل تقليد السلوكيات غير المناسبة، وإضاعة الوقت، وتكوين تصورات غير واقعية عن الحياة.

لذلك فإن الحل لا يكمن في رفض الدراما بصورة مطلقة، وإنما في اختيار المحتوى الجيد، وتنمية الوعي النقدي، وتنظيم وقت المشاهدة، وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية.

وفي النهاية، يبقى المشاهد الواعي قادرًا على الاستفادة من الدراما كوسيلة للترفيه والمعرفة، دون أن يسمح لها بأن تتحكم في قيمه أو هويته أو أسلوب حياته.

وشكرًا لحسن استماعكم.

مشاهده بیشتر
زر الذهاب إلى الأعلى