الوحدة الإسلامية ضرورة دينية وعقلية
الوحدة الإسلامية هي ضرورة عقلية يفرضها الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية في ظل التحديات التي تواجهها، وهي ضرورة دينية شدّد عليها القرآن الكريم ومارسها رسول الله (ص) عمليا، كما مارسها عمليا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) من بعده.
القرآن أوجب على الأمة الوحدة في الكثير من آياته وحذّر من الفرقة، حيث اعتبر الأمة واحدة والرب واحد والعبادة خالصة لله تعالى:
(إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) .
كما دعا إلى الاعتصام بحبل الله تعالى وعدم الجنوح إلى الفرقة والتمزق، لِما في ذلك من ضعف للأمة وإغراء لأعدائها بالسيطرة عليها وتقسيمها واستغلال ثرواتها:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .
فقد جاء في تفسير هذه الآية كما يقول صاحب تفسير الأمثل: إنما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه وإيمانه واعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره وحياته، فلا يبدد هذا الإيمان بإشعال الفتن وإثارة نيران البغضاء أو بالانسياق وراء العصبيات الجاهلية الحمقاء، والضغائن المندثرة فتكون عاقبته الخسران، وضياع كل شيء ولهذا قال سبحانه ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .
والدعوة إلى الاتحاد بعد أن أوصت الآية السابقة كل المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى ومهّدت بذلك النفوس وهيأتها، جاءت “الآية الثانية” تدعوهم بصراحة إلى مسألة الاتّحاد، والوقوف في وجه كل ممارسات التجزئة وإيجاد الفرقة، فقال سبحانه في هذه الآية واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.
هذه الدعوة جاءت للتأكيد على تقوية عرى الترابط بين المسلمين ليكونوا أمة واحدة بوجه أعدائهم، ولتصبح كلمة الله هي العليا، فقد روي عن رسول الله (ص) حين هاجر إلى المدينة المنوّرة وأقام معاهدة مع اليهود:
(هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ (ص)، بَيْنَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمسْلِمِينَ مِنْ قرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ. إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ) .
وهو مصداق لقوله تعالى:
(إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).
وأراد رسول الله (ص) أن يعلّمنا ركائز الأمّة الواحدة وتطبيقها العملي، فكان أول عمل يقوم به في المدينة المنورة بعد تدشين بناء المسجد أن جعل الأخوّة بين المسلمين هي الأسّ والدافع لتراحمهم وتضامنهم من أجل القضاء على النزعات القبليّة الجاهليّة التي كانت سائدة آنذاك.
فقام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والمؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم واتخذ لنفسه الإمام علي بن أبي طالب (ع) خليلا، فقال:
“أنت أخي في الدنيا والآخرة” .
وما أحرى بهذه الأمة أن تتعلم من رسولها وقرآنها، فقد جاء في القرآن الكريم:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
يقول صاحب تفسير الميزان في معنى: “إنما المؤمنون أخوة” جعلٌ تشريعيٌّ لنسبة الأخوّة بين المؤمنين لها آثار شرعية وحقوق مجعولة .
وجعل الله تعالى الباب مفتوحا لمن يدخل في دائرة الإيمان ليكون ضمن دائرة الأخوة الإيمانية، حيث يقول:
(فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) .
والقرآن يذكّر المسلمين بأنهم كانوا متباعدين متخاصمين يتناحرون مع بعضهم البعض تتداعى عليهم الأمم وتمزّقهم الخلافات، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا متحابّين:
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .
وقال (ص): مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
وقال: مثل المؤمن وأخيه كمثل الكفين تنقي أحدهما الأخرى .
مقومات الوحدة الإسلامية:
أولا: الوحدة الإسلامية مصدر قوّة وعزّة للمجتمع الإسلامي بأكمله، فكلما تلاحمت الأمة كلما كانت أمة قويّة عزيزة مهابة لا يستطيع الأعداء اختراقها أو هزيمتها.
ثانيا: تقوية أطر العلاقات بين المجتمعات الإسلامية والأفراد في المجتمع الإسلامي مما يسهم في الارتقاء بمستوى المجتمع الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ثالثا: تتشكّل الأمة الواحدة التي طالب بها القرآن الكريم فتلغى الفوارق والحدود والاثنيات والقبليات وغيرها من معوقات الوحدة.
التحديات أمام الأمة وكيفية مواجهتها:
أولا: هناك تحديات خارجية فأصحاب الديانات الأخرى لا يعترفون بهيمنة الدين الإسلامي وبالتالي فهم يسعون جاهدين لفرض أجندتهم على الأمة الإسلامية، قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).
ثانيا: التحديات الاستعمارية الاستكبارية التي تفرضها أنظمة الهيمنة الغربية، وأكبر التحديات هي من قبل أمريكا الداعمة لاحتلال الأراضي الإسلامية من قبل الكيان الصهيوني الذي يعيث فسادا في الأراضي المحتلّة، وما يجري في غزّة من تدمير وجرائم خير دليل على وحشيّة أعداء الأمة.
ثالثا: الكيان الصهيوني المحتل الذي يعيش على الأزمات وتفكك الأمة، فكلما اقتربت الأمة من هذا الكيان وطورت معه العلاقات كلما ابتعدت عن طريق الوحدة وأدى ذلك لتمزقها وتشرذمها.
رابعا: القوى التكفيرية الطائفية التي تنهل من الفكر المتشدد الذي يكفر الناس على أساس الاعتقاد ويستبيح دماءهم، وهذه القوى تعمل جاهدة لتقوية العلاقات مع الأنظمة الاستكبارية والكيان الصهيوني وهذا الذي شهدناه حين احتلت داعش أراضي سورية وعراقية فكان السلاح يأتيهم من المحتل الأمريكي وعلاج جرحاهم في الكيان الصهيوني، كما أنهم لم يحركوا ساكنا ضد المجازر الوحشية في غزّة.
خامسا: الأنظمة المستبدة والتي تريد الاستئثار بالقرار السياسي والاقتصادي للدول فتقف حجر عثرة أمام الوحدة الإسلامية لأنها تؤثر على سلطتها وسيطرتها على الثروات،
سادسا: من التحديات الفكرية الاستشراق، هذا الاستشراق الذي درس حياتنا وثقافتنا ومجتمعنا لتحقيق أهداف غير معلنة.
كل تلك التحديات تحتاج إلى إرادة المجتمعات الإسلامية لمواجهتها والسعي نحو توحيد الجهود من أجل التعاون والتآلف والاتحاد لكي نقطع الطريق على الهيمنة الأمريكية الصهيونية التي تحاول فرض قيمها الفكرية والثقافية الشاذّة.
ولنا في حياة أهل البيت (ع) أسوة حسنة فقد كانوا أشدّ الناس حفاظا على الوحدة بين المسلمين.
فالإمام علي (ع) كان يحرص على جمع شمل الأمّة، لننظر إلى هذه الكلمات العظيمة من الإمام علي (ع)، فهو يتحدث عن الحق الذي ابتعد عنه الناس، ولكنّه كان يحرص على نصرة الإسلام حتى لو ضحّى بالمنصب الذي هو حقّ له: (فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ) .
وحرصه عليه السلام على الوحدة هو الذي جعله يتحمل استفزازات الخوارج الذين كفروه وكانوا يجهرون بمعارضته حتى أثناء خطبته في المسجد، فلما أكثروا عليه قال عليه السلام: ((كلمة حق يراد بها باطل، لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بحرب حتى تبدؤونا بِهِ) .
وفي عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر يقول:
(وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه) .
وكذلك سعى أهل البيت لترسيخ الوحدة بين المسلمين في سلوكهم وأفعالهم وأقوالهم:
روى عن الصادق عليه السلام زيد الشحام أنه قال: “يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان أسوء ما يؤدب أصحابه” .
جاء في الحديث الصحيح عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ أنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ، كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وبَيْنَ قَوْمِنَا وَبَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا؟
قَالَ: “تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، ويَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ، ويُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وعَلَيْهِمْ، ويُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ” .
د. هاشم سيد سلمان الموسوي
البحرين