Site icon ar.inpru.org

تجديد الخطاب الثيولوجي عند كانط

تجديد الخطاب الثيولوجي عند كانط

محمد بن المقدم

استاذ فلسفة الدين والفلسفة السياسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس

 

تهدف هذه الورقة إلى إبراز نتائج وانعكاسات النقد الكانطي على ممارسة الثيولوجيا. فبالتمركز حول المتناهي لفهم اللامتناهي، كشف كانط عن حدود العقل النظري المحض، وعجزه عن الإحاطة بأهم مباحث الثيولوجيا، مما ساهم في تفنيد علميتها. وبعد ذلك، أعاد كانط بناءها على أسس العقل العملي المحض؛ وجعل ما كان مستحيلا في العقل النظري المحض( إثبات وجود الله، خلود الروح) ممكنا في العقل العملي المحض. وقد ساعد هذ المنعرج العملي في أنسنة القضايا الثيولوجية، وهو ما فتح الباب للثيولوجيا السياسية والأخلاقية. فما هي أسس هذا التحول؟ و ماجوهره؟

 

تقديم:

يسبق الموقف النقدي الذي يتخذه الفيلسوف من سابقيه أو معاصريه الجانب الإبداعي لديه، وإن كانت الأسبقية ليست مطلقة بل فقط أولوية منطقية. ولأن من يملكون الرؤية هم وحدهم الذين يتسنى لهم اتخاذ موقف، ولأن النقد من موقع اللاموقع ليس نقدا، كان على إيمانويل كانط – فيلسوف النقد بامتياز-أن يتخذ موقفا من تاريخ الفلسفة/الميتافيزيقا الغربية[1]، والذي هو في نفس الوقت تاريخ الثيولوجيا. وكان للسياق العلمي لعصره، اثر بالغ في توجيه غايات عمله وإشكالاته. لقد فرضت التطورات العلمية إعادة إحصاء العلوم وتصنيفها. وفي ظل المصداقية المتصاعدة لحقائق العلم الطبيعي، بدأت تضيق دائرة الانتساب للعلم، بعد التخلي عن دلالته الأرسطية، وصارت صفة «العلمية»، بالمعنى الحديث، حلما يراود المباحث المعرفية.

ظهر لكانط أن الفيلسوف – كالكيميائي- مطالب بعزل الحقائق وتمييزها حسب نوعها وأصلها. وعليه أن يميز بين الممكن قبليا والممكن بعديا، حتى يحد العلم. ومعلوم أن الثيولوجيا، ظلت تعتبر أشرف العلوم لأن الغرض الأقصى منها معرفة صفات الله وأفعاله، ورسله، وأحوال النفس والمعاد، وهذه أشرف المطالب. ومادام واجب الوجود أشرف الموجودات، فالعلم به أشرف العلوم وأيقنها، وتتوقف عليها كل المعارف في العلوم السمعية والعقلية الأخرى. وهذا التفسير لشرف وأسبقية علم اللاهوت، يعود للخلفية اللاهوتية التي تحكمت في تصنيف العلوم في الثقافات التوحيدية القديمة؛ حيث عكست التراتبية الانطولوجية والميتافيزيقية في ترتيب العلوم والمعارف. فشرف العلم مرتبط بموضوعه، والفرق بين العلم بالإله والعلم بالإنسان كالفرق بين الإله والإنسان. ومادام المتكلم يسلم، أن الإله هو علة وجود الموجودات الأخرى، فإن علم اللاهوت هو أصل العلوم والمعارف الأخرى. وانتقل ذلك إلى نوعية المعارف ودرجة يقينيتها. وضع كانط هذا التراث على محك النقد لاختبار مدى مصداقية ادعاءاته العلمية. فما مصير الثيولوجيا بعد النقد الكانطي؟ وهل ساهم هدمها أم في تجديد خطابها؟

اللاهوت الطبيعي ليس علما:

ساهمت الثورة الكانطية بشكل دقيق في تنسيب المتعالي وأنسنة الإلهي. وكانت الفلسفة تقترب من التطابق مع الميتافيزيقا (ميتافيزيقا الأخلاق وميتافيزيقا الطبيعة ) وهي التي تصل مابين الأشياء والحكمة، عن طريق العلم[2]. وشكّل اللاهوت أحد الأضلع الأساسية للميتافيزيقا إلى زمن كانط. ويمكن تمييز اشكالا مختلفة من اللاهوت: اللاهوت الطبيعي وهو محاولة العقل التوصل انطلاقا من غايات الطبيعة إلى السبب الأسمى للطبيعة وصفاته[3].  وقد خصص له «أمثل العقل المحض l’ideal de la raison pure[4]»» من أجل فهم ادعاءات الثيولوجيا التأملية تقديم أدلة على وجود الله، وبمعنى ما علميتها.

جعل كانط الاستطيقا الترسندنتالية كنظرية للحساسية، أي لملكة ماسماه الحدوس intuitions، وخصص التحليلات الترسندنتالية للفاهمة المتعلقة بالمفاهيمconcepts، بينما خصص الديالكتيك الترسندنتالي للعقل كملكةمرتبطة بالأفكارIdées. انتهى بحثه في عملية المعرفة إلى كون مفاهيم الفهم المحضة لايمكنها قط، بمعزل عن كل شروط الحساسية، أن تصور لنا موضوعات لأنها ستفتقر إلى شروط الواقع الموضوعي، ولأننا لانعثر فيها إلا على صورة التفكير. غير أنه يمكن لنا أن نعرضها عيانا عندما نطبقها على مادتها أي على الظواهر.  أما الأفكارIdées فهي أكثر بعدا عن الواقع الموضوعي من المقولات catégories، لأننا لايمكن أن نجد ظاهرة نتمثل فيها هذه الأفكار عياناin concreto. فهي تتضمن الكمال، الذي لايمكن للمعرفة التجريبية بلوغه بأي وسيلة[5]. لكي يكون الحكم التأليفي صالحا، ينبغي أن يؤسس على الحدس المحض، وأن يكون قابلا للتنزيل والتطبيق على التجربة(الحدس التجريبي). وإذا نقلنا هذه الشروط للمجال الميتافيزيقي، نجد أن الحكم التأليفي القبلي المؤكّد لوجود الله، لايستجيب لأي من الشرطين. أولا، ليس هناك أي ترسيمة shématisme تلائم فكرة الله. ثانيا، لاتوجد تجربة (حدس تجريبي) تسمح لنا بالخروج من فكرة الله إلى وجوده. لأن معرفة وجود الشيء تقوم بالضبط في أن يطرح هذا الشيء خارج الفكرة. ومن الممتنع كليا على الإنسان أن ينتقل من المفهوم، لاكتشاف كائنات مفارقة وموضوعات جديدة دون اتباع الاقتران التجريبي الذي لايعطى لنا قط إلا في  عالم الظواهر[6]. فكل شيء في الطبيعة مشروط،سواء كانت طبيعة مادية أم الطبيعة المفكرة[7]. لهذا لايمكن للعقل النظري أن يسند اية حقيقة موضوعية لمفهوم الإله، لأن قانون السببية الذي يصدق تجريبيا، يفترض أن ينتمي هذا الكائن الأسمى إلى سلسلة موضوعات التجربة، وهو ما سيجعله مشروطا أيضا مثلها[8]. كما أن معرفة الله تستلزم استعمالا مفارقا لايمتلك الفهم البشري استعدادا له لأن كل مبادئ الفهم التأليفية هي ذات استعمال محايث. وليس مسموحا لنا في هذا الاطار القبول بماهو متعال على الطبيعة، ككائن يمتلك تلك الصفات، بل فقط أن نأخذ فكرة هذا الكائن من أجل اعتبارها، استنادا إلى المماثلة مع الحتمية العلية، كفكرة منظمةregulateur[9]  تسمح برؤية الظواهر مترابطة نسقيا فيما بينها[10]. أي كأن الترابط والانسجام في العالم انبثق من مبدأ ضروري واحد في ذاته. دون أن يعني ذلك استخدام فكرة الحكمة الالهية كمبدأ لتفسير الظواهر الطبيعية، بالنسبة للعقل النظري.

هناك إذن، فجوة بين العياني والإلهي، وهو ماجعل كانط يرفض، ادعاء الثيولوجيا إمكانية البرهنة على وجود الله اعتمادا على الدليل الأنطولوجي، الذي تؤول إليه الأدلة الأخرى[11]، فالدليل اللاهوتي الطبيعي يتأسس على الدليل الكسمولوجي الذي يتأسس بدوره على الدليل الأنطولوجي. هذا الأخير في جوهره، يستمد من مفاهيم عقلية محضة، متعالية عن كل استعمال تجريبي للفهم[12]. وبذلك يخلص كانط إلى أن كل محاولات استعمال العقل النظري المحض في مجال الإلهيات، محاولات عقيمة كليا، ولاطائل تحتها. وأن مبادئ استعمال العقل الطبيعي لاتؤدي إلى أي إلهيات. وبذلك يؤسس كانط، لتناهي الموجود الإنساني في الزمان /التاريخ، والمكان والجغرافيا، والطبيعة. وينهي الادعاء بأن الثيولوجيا علما. بيد أن هذا التناهي، لايعلن نهاية التفكير في هذه المباحث، ولا التعامل معها باللامبالاة[13]، خصوصا وأن العقل البشري بطبيعته، يندفع إلى تجاوز الاستعمال التجريبي، ويغامر باستعماله المحض بتوسط مجرد الأفكار، إلى أقصى حدود المعرفة بحثا عن الراحة التي لايشعر بها إلا عندما ينجح في جعل أفكاره متناسقة في ذاتها[14].

اللاهوت الأخلاقي كأفق للاهوت:

تتميز الهندسة المعرفية الكانطية بترابط أضلاعها؛ فالأنثربولوجيا تؤسس للأخلاقية والأخلاقية تؤدي إلى الدين. وهكذا، فإن فهم أبعاد الإنسان في الفلسفة الكانطية، سيساهم في إضاءة فلسفته الأخلاقية من جهة، ويسمح بفهم الأساس الفلسفي لأنسنة الألوهية من جهة ثانية. يتصف الإنسان الكانطي ببعدين: البعد الأول، روحي، عاقل، مريد، وحر[15]. وهذا البعد هو الذي يسمح للإنسان، بتجاوز شرطه الطبيعي الحتمي، وعليه يبنى التشريع الأخلاقي ويجعل لتلك الأوامر بداهة ويقين الرياضيات[16]. إن تأسيس الأخلاق على مفهوم الإنسان من حيث هو كائن حر ملتزم عن طرق عقله، بقوانين غير مشروطة، يجعلها في غنى عن فكرة الإله من أجل معرفته لواجبه، ولا تحتاج إلى دافع آخر غير القانون نفسه للالتزام به. وهذا مايؤكد أن الأخلاق ليست في حاجة إلى الدين، بل هي تكفي نفسها بنفسها، بفضل العقل العملي المحض[17]». دون أدنى مراعاة للدوافع الطبيعية)اللذة، السعادة(. وكل ماتتطلبه هو الالتزام التام للإرادة بالقانون الأخلاقي حتى تحقيق الفضيلة. ولايستقيم ذلك إلا بالتسليم بالحرية، بل أن في هذا المجال يتموضع مفهوم الحرية.

البعد الآخر للإنسان الكانطي: هو البعد الطبيعي، الذي يدفعه إلى البحث عن خير آخر، غير الفضيلة، خير حسي هو السعادة. وإذا كان قد استبعدها عند التشريع الأخلاقي، فإنه لايعدمها كمطلب وحق للبعد الطبيعي في الإنسان، لأن من شأن الإشباع الطبيعي، أن يسهل الامتثال للواجب. وإذا كان جواب السؤال الثاني، هو: إعمل ما يجعلك جديرا بالسعادة ! فإن جواب السؤال الثالث، هو: إذا عملت ما هو واجب ماذا يمكنني أن آمل[18]؟ وهذا يبين ترابط النسق الأخلاقي بالسعادة، لكن فقط ضمن فكرة العقل المحض. فهناك ضرورة لدى العقل لإيجاد صلة بين المملكتين، إنما ضرورة أخلاقية وليست موضوعية، هي حاجة ذاتية، وليست هي في ذاتها واجبا. إن الشرط الذاتي للعقل هو الذي يجعله يفكر نظريا بالانسجام بين مملكة الطبيعة ومملكة الاخلاق على اعتبار انها شرط إمكانية الخير الأسمى، وفي نفس الوقت السبيل الوحيد المؤدي إلى الأخلاقية الخاضعة لقانون موضوعي للعقل.

لم يجد العقل المحض العملي بدا لتحقيق الخير الأعظم من افتراض خلود الروح، لأن شرطه الأول هو تحقيق القداسة، أي امتثال الإرادة الكامل للقانون الخلقي وهذا لن يتحقق إلا بافتراض استمرارية العمل صوب تحقيق القداسة من خلال الخلود. أن سعادة الإنسان، وهو المتجذر في الطبيعة، تفترض أن تكون الطبيعة متفقة كليا مع مبادئه الأخلاقية، التي تقررها مملكة الحرية في استقلال عن ماهو طبيعي. وعليه، فإن الأمل في السعادة، لايطرح إلا إذا كان هناك عقلا أسمى يأمر وفقا للقوانين الخلقية، في الأساس كعلة للطبيعة. فهو الذي يمثل مبدا الربط الضروري عمليا بين الفضيلة والسعادة. ويسمي كانط الاتحاد بين الفضيلة والسعادة الخير الأسمى. و«الخير الأسمى يوجد فقط تحت شرط وجود الله، لذلك يرتبط التسليم بوجود الله بالواجب بشكل لاينفصل، أي من الضروري أخلاقيا أن نسلم بوجود الله. وهذا ما جعل كانط، يقول أن واجباتنا«يجب أن ننظر إليها على أنها أوامر للكائن الأعلى لأننا لانستطيع أن نأمل في الخير الأسمى…إلا استنادا إلى إرادة كاملة من الناحية الأخلاقية، ولهذا فإننا لانستطيع أن نأمل في بلوغ الخير الأسمى إلا من خلال الانسجام مع هذه الإرادة[19]». فلا السعادة وحدها، ولا الخلقية وحدها الخير الكامل، فحتى يكون الخير كاملا، يجب أن يكون بإمكان ذاك الذي لم يتصرف بشكل يجعله جديرا بالسعادة، أن يأمل بالمشاركة فيها. ولهذا تتطلب السعادة التسليم بوجود الإله، من أجل خلق توافق بين الفضيلة والسعادة. وبدون هذا التسليم، في نظر كانط، يستحيل قيام الأخلاق التي تتطلب وجود قوة قادرة على تحقيق الخير والعدل في الحياة الآخرة، بل أن العقل، يجد نفسه مرغما، إما على التسليم بوجود الله والحياة الأخرى، وإما على أن ينظر إلى القوانين الأخلاقية كخرافات باطلة، لأن النتيجة الضرورية، التي يقرنها هو نفسه بهذه القوانين، ستتبدد من دون ذلك الافتراض. وعليه، فإن كل واحد يرى إلى القوانين الأخلاقية بوصفها أوامر، يفترض، أنها ستقرن قواعدها بنتائج ملموسة، وبالتالي يتضمن وعدا ووعيدا. فبدون الله، واليوم الآخر الذي نأمله، لايمكن للأفكار الأخلاقية العظيمة أن تكون موضوع تفضيل وإعجاب، بل لن تكون حوافز للنية، لأنها لاتحقق الغاية الكلية المرسومة قبليا من قبل العقل المحض نفسه. تأتي فكرة الله لإسباغ معنى على احترام القانون، وتضيف الأمل إلى الواجب، الحب إلى الاحترام، العنصر المسيحي إلى العنصر اليهودي. وإدماج التعالي في قلب المحايثة، وهو ما يتجلى كذات مستقلة أخلاقيا، مؤمنة ولكن علمانية، لاتستبعد التعالي والقداسة بل تقوم بتنزيلها إلى الإنساني[20].

إن إثبات وجود الله، كفاعل للأوامر الأخلاقية، تعني أنه الضامن لسير نظام وكمال المبادئ الأخلاقية، وليس خالقا لها. ويبقى العقل البشري الحر، في نهاية الأمر، هو المحك الذي يرجع إليه المبدأ الأخلاقي في الإنسان.

وجد كانط في الطبيعة الحكيمة، مبررا لإسناد مهمة إعادة البناء للعقل المحض في استعماله العملي. وهكذا، اكتشف أن هناك حكمة أوجدت تناسبا متكافئا بين قدرات الإنسان المعرفية ومصيره الأخلاقي، بل أن المقصد الأخير للطبيعة الحكيمة،المدبرة لتنظيم العقل لا يسعى إلا إلى ما هو خلقي؛ ولأن عقلنا يوصي بهذه الموضوعات المفارقة (حرية الإرادة، خلود الروح، ووجود الله)، فإن استعمال هذه المواضيع سيكون بالمعنى العملي، وذلك لكون الوظيفة العملية للعقل هي التي تمكن الإنسان من تجاوز شرطه الطبيعي والانفتاح على معارف منتظمة ماورائيا. ومن هنا يخلص، إلى أن اتخاذ القوانين الخلقية كأساس، أو استخدامها كمرشد، تسمح للعقل أن يبني إلهيات [21].

إن هذه الإلهيات تمتاز عن الإلهيات النظرية، بكونها تؤدي حتما إلى مفهوم كائن أول أوحد كلي الكمال وعاقل[22].غير ان وجود الإله، لاينبغي ان يفهم منه الوجود الموضوعي، ولا أنه برهان لمن يشك في وجوده ابتداء؛ وانما هذا برهان يفترضه كل من أراد ان يفكر بطريقة منسجمة أخلاقيا. كما أن هذا البرهان لا يعني انه شرط للاعتراف بصحة القانون الأخلاقي. ذلك أن الأخلاق تؤدي إلى الدين لكنها لا تتأسس عليه البتة، بل تتأسس على التشريع الذاتي للعقل العملي المحض. فالأخلاق صارت تقود إلى الدين وليس العكس.

وبذلك أصبحت الثيولوجيا بعدية بالنسبة للأخلاق، عكس ما كان عليه الأمر في العصر الوسيط، حيث الثيولوجيا سابقة عن الأخلاق. غير أن الأخلاق ليست، في حقيقة الأمر، هي التي تعلمنا كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا سعداء، بل هي التي تعلمنا كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا جديرين بالسعادة، وفقط حين ينضاف إليها الدين يدخل فينا الأمل[23] في أن نشارك ذات يوم في السعادة. فالأمل في السعادة لايبدأ إلا مع الدين[24]. لأن هذا ما يجعل جهودنا الهادفة إلى إقامة ملكوت العدالة والسعادة لن تضيع عبثا.

لقد استبدل كانط اللاهوت الطبيعي باللاهوت الأخلاقي، ولكنه لم يمنحه سوى استعمالا محايثا، استعمال يدفعنا لتحقيق غايتنا في هذا العالم بالتكيف مع نسق كل الغايات، لا أن ننجرف مع الحماس والاوهام، ونترك هداية العقل الأخلاقي، كي نقرنه بلا توسط بفكرة الله، فهذا سيعطي استعمالا مفارقا، بل قد يسقط في الاستعمال النظري، فيبطل الغايات الأخيرة للعقل[25]. لقد صار الإله نفسه فكرة من أفكار العقل المحض العملي، مادام المبدأ من الإنساني إلى المفارق. وسيشكل هذا الانقلاب، إضاءة قوية، سيلتقطها فيورباخ في نقده لشلايرماخر[26]، ليحول الثيولوجيا إلى انثربولوجيا، مكتفيا بسبر أعماق المتناهي.

ان الانتقال من مفهوم الإله ككائن مفارق يتمتع بالوجود الموضوعي حسب العقل النظري، إلى مجرد فكرة كائن حكيم جعل بحكمته العقل الإنساني ذو طبيعة عملية، يجعلنا، نتساءل عن هذه السلط والامتدادات التي مُنحت لهذه الفكرة. إذ كيف يمكن لفكرة من أفكار العقل ان تمنح العقل ذاته بعدا عمليا وظيفيا؟ كيف لهذا الإله/الفكرة أن يجعل تناهي الملكات الإنسانية وإمكانية الشر الجذري مسوغا لدين الوحي؟

صحيح أن كانط نجح في بناء لاهوت أخلاقي على أنقاض اللاهوت الطبيعي. وأعاد بناء ما هدمه في النظر، على أرض العمل. لكن يبدو أنه سقط في دائرة تلأويلية، طرفاها: الإله مجرد فكرة من أفكار العقل العملي/ الحكمة الإلهية أوجدت تناسبا متكافئا بين قدرات الإنسان المعرفية ومصيره الأخلاقي.

من اللاهوت الأخلاقي إلى الدين:

لقد رسم كانط طريقا جديدا للاهوت، بعدما آل التفكير في أخلاق خالصة إلى الاعتراف بوجود مبدأ فاعل، هو الله، لكن ليس الفاعل بالمعنى الحق للكلمة، أي الفاعل للقوانين الأخلاقية، وإنما بمعنى فاعل الأوامر والنواهي، الموافقة لما يسنه الإنسان بعقله من قوانين أخلاقية. وبهذه الطريقة يقودنا القانون الأخلاقي، عبر مفهوم الخير الأسمى، بوصفه موضوع العقل المحض العملي وغايته النهائية، إلى الدين، الذي يراه كانط « معرفة كل واجباتنا من حيث هي أوامر إلهية[27]». وهذا التعريف يثير إشكالا جوهريا، يخص مسوغات القول بأن واجباتنا الأخلاقية هي أوامر إلهية في وقت كانت الأخلاقية الكانطية مكتفية بذاتها؟ فهل يعني تطابق الواجب الأخلاقي مع الامر الإلهي؟ وكيف يتجسد الأمر الإلهي؟ هل في العقل أم في النص؟ وإذا كان في النص، هل ما يحسنه العقل العملي أو يقبحه يحسنه الدين أو يقبحه؟

يؤكد كانط على أن الدين الذي تؤدي إليه الأخلاق ليس هو دين الوحي، وإنما هو دين العقل المحض الذي لا يلجأ مطلقا إلى دوافع خارجية أجنبية عنه مثل الخوف والرغبة اللذين تتأسس عليهما أخلاقية أديان الوحي[28]. ولا يزود الدين العقلي المحض، الإرادة باي باعث جديد، ودوره هو إبراز الأمل فينا في أن نشارك بأفعالنا، المنعزلة في ذاتها، في تحقيق نظام أخلاقي قوامه الانسجام بين السعادة والعدالة، بصرف النظر عن الدوافع. ومن ثم، فإن الأخلاق التي هي المبدأ هي ايضا في آخر الأمر غاية العمل على حد تعبير أميل بوترو[29]. غير أن كانط، لم يقف عند الدين الأخلاقي، بل استحضر دينا وضعيا هو الدين المسيحي، معتبرا أن ايقاظ الواجب الأخلاقي للانتماء لملكوت الله يتم بالعقل او الكتاب المقدس[30]، بشرط أن يكون تفسير الكتاب المقدس اعتمادا على العقل العملي الأخلاقي. فلم تم استدعاء الدين الأخلاقي إلى جانب دين الوحي، إن كان النص نفسه يحمل إمكانية التشريع الأخلاقي؟

من الإنسان إلى ابن آدم:

يبدأ كانط كتاب «الدين في حدود مجرد العقل[31]» بالبحث في الشر الجذري كعلامة على التناهي الإنساني. وتحتل إشكالية الشر مكانة مهمة في فلسفة كانط المتأخرة، فعادة ليست الكتب الفلسفية، هي التي تبدأ بإشكالية الشر الجذري، بل الكتب الثيولوجية، وهو ما أدهش العديد من قراء كانط.

يرفض كانط التفسير التاريخي والثيولوجي  للشر، لأنه يطابقه مع الخطيئة الأصلية، ويربطه بزمان، وبشخصيات تاريخية. ويعمل على إيجاد تفسير فلسفي، يسمح بفهم كيف يلوث الشر الجذري القواعد والأسس. وهكذا لجأ إلى حب الذات كما صاغها روسو، وإلى هشاشة الطبيعة الإنسانية وعدم صرامتها وقلة حماستها لاتباع المبادئ الاخلاقية.  فهناك ميل إلى الشر، وهذا هو الأساس الذاتي لتوجيه الإرادة الحرة قبل الفعل الشرير ذاته. فالميل إلى الشر الأخلاقي ممتد في الطبيعة الإنسانية في ذاتها في استقلال عن الإرادة الخيرة أو الشريرة. والإنسان يملك إرادة خيرة، قادرة على العودة إلى الخير، رغم ميله إلى الشر. ان يكون الانسان من ناحية أخلاقية، خيرا او شريرا، فهو ذاته الذي يجب ان يكونه او يفعله. ففي الحالتين، هو نتيجة ارادته الحرة[32].

هذا التهديد المتربص بالإنسان، يجعل القول بضرورة قوة تعادل قوة الشر، أمرا لا مفر منه حتى لا تصير وضعية الإنسان ميؤوسا منها. بل هي وضعية، تخص المصير الإنساني وضعفه الأخلاقي وفي النهاية قدرته الأخلاقية. لا يعرف الإنسان من أين تسلل الشر الجذري إلى قلب الإنسان، ولا من أين جاءت فكرة الإنسان الكامل أخلاقيا، ولا من أين جاءت فكرة العالم الأخلاقي المتعالي على المجتمع التشريعي. فهذه الإشكالات، تمثل حدودا للعقل نفسه، وهذه الحدود هي ما يمنح مشروعية ظهور الدين الموحى به، الدين التاريخي[33]. دين مكون من تمثلات وعقائد وعبادات يمثل مطلبا ضروريا للناس بسبب حدود عقلانية عقولهم. حدود يجسدها الانحدار والميل إلى الشر المنغرس في العقل العملي.

يمثل هذا الكشف للتناهي الإنساني، عنصرا جديدا في توصيف الحرية الإنسانية كما رسمتها الكتب النقدية الكانطية السابقة، التي دأبت على تقديم الإنسان كذات مستقلة حرة، قادرة على إبداع قوانينها بذاتها. وانكشف هنا الوجه الجريح لهذه الحرية، كذات معطوبة في جذورها بشر أصيل. وهذا دليل على أن الحدود ليست للدين فقط، بل للعقل السليم أيضا. لكن كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز هذا الشر الموجود في تكوينه الذاتي؟

لأجل هذا الهدف، يحدث كانط تغييرا جذريا في بنية فلسفته الأخلاقية، لقد كانت دوما ترتكز على ذات فردية عاقلة حرة ومسؤولة لتجاوز كل ما من شأنه أن يشرطها، لكن التناهي الإنساني زمانيا ومكانيا وإدراكيا، دفع بكانط إلى الانتقال من ذات فردية إلى ذات جماعية حتى يتحقق الخير الأسمى. ذلك أن انتصار مبدأ الخير ليس أمرا قريب التحقق بل يستوجب إنشاء مجتمع وتمكينه من الانتشار طيقا لقوانين الفضيلة ومن أجلها، مجتمع يمكن أن يضم الجنس البشري بتمامه في نطاقه…وبهذا فقط يمكن الأمل في انتصار ما لمبدأ الخير»[34]. ومن أجل تبرير هذا الانتقال من وجهة نظر الذات الفردية إلى وجهة نظر الذات الجماعية، لجأ كانط إلى إبراز عجز الفرد والعوائق التي تواجهه داخل الجماعة. وبلمسة من جون جاك روسو، رأى أن دوافع ارتكاب الخطأ، ليست ذاتية محضة، « بقدر ما تأتي من المحيطين به. أو المجتمع الذي يعيش فيه. فهذا الأخير هو الذي يلحق أدى كبيرا باستعداد الإنسان الأصلي للخير[35]». فالاجتماع البشري في حالة الطبيعة، يعيش حالة حرب أخلاقية مستمرة، شبيهة بحالة الطبيعة القانونية، وعليه، فكما أن تجاوزه لحالة الفوضى، قد تم بتشكيل دولة والانخراط الطوعي فيها، فإن الإنسان مطالب بالخروج من حالة الطبيعة الأخلاقية إلى حالة الدولة الأخلاقية التي تختلف عن الجماعة القانونية بدستورها وبالروابط التي تجمع أفرادها تحت مبدأ الخير أو الفضيلة.

إن التناهي الإنساني هو الدافع لإسناد مسؤولية تحقيق الخير الأسمى لمن هو أعظم من الفرد: أي الجنس البشري. فهذا الخير الأسمى « لا يتحقق من خلال كمال الفرد الخلقي الخاص، بل يتطلب اتحادا للأشخاص في كل واحد من أجل الغاية نفسها…حتى يمكن للخير أن يرى النور…[36]». فالخير الاسمى هو واجب من نمط خاص، واجب للجنس البشري، تجاه نفسه، وليس واجب لشخص تجاه شخص آخر. إن نوعية هذا الواجب وطبيعة مبادئه المختلفة عن كل الواجبات الأخرى، جعلت كانط يرى أنها تستوجب فكرة كائن خلقي أعلى، بفضل استعداداته الكلية التي تساعد في تشكيل هذه الجماعة الأخلاقية التي يتصف أفرادها بالنقص والقصور. وهذا التوظيف المتكرر لمفهوم الإله المستمد من الأخلاق بدل استنتاجه من الطبيعة، من أهم مستجدات فلسفة الدين الكانطية، حيث صارت الأخلاق هي سُلّم للإلهيات، بعدما كانت الطبيعيات هي السلم.

أصبحت مسلمة كائن أسمى ضرورية لتكوين أخلاقية وربط أفرادها فيما بينهم. فوحده الله، الحاكم الأخلاقي للعالم، يمكنه أن يؤسس ويسود هذه الجماعة، التي تصبح شعب الله. ان تأسيس شعب الله الخلقي مسؤولية الله نفسه، لأن الإنسان لايستطيع تحقيق ذلك، وغاية مايطلب من أفراد البشر هو الالتزام بواجباتهم تحمل كاملة تجاه البشرية حتى يمكنهم أن يأملوا الفوز والفلاح الذي يمكن لحكمة عليا أن تكلل جهودهم المخلصة بالتمام والفوز.

ومن أجل تبرير مشروعية الله التشريعية، يميز كانط بين الدولة السياسية والجماعة الأخلاقية. فإذا كان الشعب هو مصدر التشريع للجماعة السياسية، فإن الطبيعة الباطنية للخلقية، وقصور الشعب عن إدراك باطن النوايا، يجعل القوانين الأخلاقية التي ستخضع لها الجماعة الأخلاقية تفترض مشرعا أسمى عليم بذات الصدور، خبير بالقلوب « حتى ينفذ إلى أعمق ما في باطن نوايا الأفراد، وحتى يجعل كل من عمل مثقال ذرة خيرا يره[37]». وهذا يبين أن الدستور الأخلاقي، يكون التشريع فيه باطنيا فقط، من طرف المشرع الأسمى: الله. وهذه إشارة إلى مبدأ الأخلاقية الكانطية، أي النية الطيبة، أو الإرادة الخيرة. غير أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا استبدادية المشرع، فأوامره – بحكم معرفته بالنية الطيبة والإرادة الخيرة للأفراد – هي نفسها الواجبات الأخلاقية. وبهذا المعنى يمكن فهم قول كانط أن الدين هو: «معرفة واجباتنا كأوامر إلهية» الوارد في تعريف الدين.

فالذي يجعل واجباتنا أوامر إلهية، هو كون مشرع الجماعة الأخلاقية هو الله، العالم بما في الصدور، والذي لا يشرع أمرا مخالفا للواجب الأخلاقي حتى لا تنتفي الأخلاقية تحت وطأة الإكراه والقسر. وإذا كان الله هو أيضا مشرع، فإن البشرية ملزمة بمعرفة العلاقة مع هذا الإله؟

تختلف الإجابة عن السؤال حسب الذات الأخلاقية؛ فإذا نظرنا إلى الإنسان كمفهوم، فإن كليته تستوجب تشريعا خلقيا فحسب، يتصف بالشمولية والكلية، لأن التشريع النظامي، الذي يفترض وحيا لايكون إلا حدثا عرضيا، يفتقد للكلية والشمولية. أما إذا نظرنا، إلى الذات الأخلاقية، كمواطنين في دولة إلهية على الأرض، أي الإنسان كمصداق، فإن السؤال «لايجد جوابا بالاعتماد على العقل بمجرده، بل هو يتطلب تشريعا نظاميا، لا نعرفه إلا بواسطة الوحي، وبالتالي يتطلب ايمانا تاريخيا، يمكن للمرء أن يسميه، في مقابل ايمان الدين المحض، ايمان الكنائس[38]».  وهذا الدين التاريخي المنظم للعلاقات الإنسانية داخل دولة ما، لايكشف عن نفسه إلا من خلال نص مقدس، نص «يكتسب احتراما أكبر لدى أولئك الذين لايقرأونه[39]». وعلى هذا الأساس، تتكون الكنيسة، بما هي اتحاد لجماعة من الناس، ابتغاء الفضيلة. فهي تفترض قوانين إلهية دون التعويل دوما على الإيمان المحض فقط، بسبب ضعف خاص في الطبيعة البشرية. غير أن تعاليم الوحي هي مجرد وسيلة لكنها وسيلة جديرة بالتقدير. وعليه، يظهر، أن إيقاظ الخلقية، وجعلها كونية وشمولية في الجنس البشري، سواء تم بواسطة العقل أو الكتاب المقدس[40]، سيؤدي إلى تشكيل كنيسة ما، وفي هذه الحالة، فإن الله نفسه، من حيث هو مؤسس، هو خالق الدستور، اما البشر فهم خالقوا التنظيم كمواطنين احرار في ملكوته.

– انتصار الثيولوجي على الفيلسوف:

بعدما وضّح أسس الدين الطبيعي، وانتصر للاهوت الأخلاقي، انتقل كانط إلى الدفاع عن الديانة المسيحية، وتبرير معقوليتها، وهو ما لايتأتى إلا بإبراز عناصر الدين الأخلاقي فيها. وقد لجأ إلى تأويل مجموعة من الأدلة النقلية لإثبات احتوائها بواعث على الفعل الخلقي والسلوك الحسن والنية الطيبة[41]. وهكذا، تبين له أن المبدأ المسيحي للأخلاق ليس لاهوتيا، بل هو تشريع العقل المحض العملي نفسه، كونه لايجعل معرفة الله وإرادته أساسا لهذه القوانين، بل فقط أساسا للوصول إلى الخير الأسمى، بشرط الامتثال لها. وأن هذه الأخلاق ليست غائية وليست مشروطة، بل هي تتمثل الواجب وحده من حيث إن الالتزام الأمين به هو وحده الذي يجعلنا جديرين بهذه الأخيرة[42]. وهذه الروح الأخلاقية، هي ما جعلت المسيحية الأولى، في نظر كانط، تمتاز عن اليهودية التي يغلب عليها أحكام الشريعة. وما العناصر اليهودية الموجودة في المسيحية إلا نتيجة إقحامها من طرف الذين قدسوا هذه الوسائل وجعلوها جوهرية، وتوسعوا فيها بالتفسير والتأويل والتقليد. ولعل هذا ما دفعه لنعت البروتستانت المتحررين من الإيمان الوضعي وأحكام الكهنوت، بالنبلاء[43].

المسيح: نموذج الأخلاقية

بعد إثبات وجود الله وصفاته، وإثبات مشروعية الديانة المسيحية، جاء الدور على النبوة. وقد رأى فيها كانط، تشجيعا للجنس البشري على فعل الخير وتجنب الشر، فإرسال الله ابنه الذي هو من جهة، في رابطة دموية مع كل أعضاء الجنس البشري، ومن جهة أخرى يعرف إرادة الله – الأب – هو بمثابة نموذج للنية والقصدية الأخلاقية في أرقى صفائها. فهو نفسه يمثل الإله-الإنسان، الذي تتحقق فيه المبادئ الكونية للاحترام والإنصاف، وهو مثال الأخلاق بالنسبة للإنسانية جمعاء، المتحررة من الإكراهات الخارجية النظامية. ويحرص كانط على فكرة المسيح أكثر من شخصه، لأن ما يهم هو الفكرة والمثال المراد تحقيقه. فرغم وجود الشر في النفوس، إلا أن الجنس البشري بإمكانه أن يأمل في رضى الله وهذا لن يتحقق إلا بفضل الفعل الأخلاقي. فالنبي هنا بمثابة توفيق بين اللامتناهي والمتناهي، بين إرادة لامتناهية وفعل تاريخي، هو إمكانية التقاء المفهوم  concept بالحدس الحسي intuition sensible  في نقد العقل المحض.

العبادات والشعائر: أوهام دينية

إن حفر الهوة المعرفية بين المتناهي واللامتناهي، أنتج استحالة معرفة تأثير السماء على الإنسان[44] إلا أن باب الأمل فتحه العقل في استعماله العملي. وهكذا، فإنه متى ما استخدمنا ملكاتنا – المحدودة بالطبيعة – في حدودها فإن العقل العملي، له فرضية تجعله يأمل في أن ما لا نقدر عليه، ستفعله النعمة الإلهية. أما الاستعمال المتجاوز لحدود ملكاتنا فسيسقطنا في الوهم والخرافة وادعاء المعجزات والكرامات. فكل شخص – أو مؤسسة –  يظن أن بإمكانه استدرار عطف السماء بواسطة نوع من الطقوس والعبادات والتضحيات المختلفة، يسقط في الوهم الديني. وكل من يعتبر أيضا، أن الشريعة طريق الرضا الإلهي وجوهر عبادته، فقد سقط في الوهم الديني، وعبادته زائفة[45]. فلا تقبل الطقوس والشعائر والعبادات الموجودة في الأديان التاريخية بديلا عن الالتزام الأخلاقي، فهو جوهر العبادة الحقيقية لأنه نابع من الإرادة الحرة والتشريع الذاتي للعقل العملي المحض. ولهذا لا يشتمل الدين العقلي على عبادات أو طقوس بهدف إنتاج القداسة بداخلنا والـتأثير على ما فوق الحسي، لأن عالم الطبيعة لايؤثر في عالم مابعد الطبيعة، ومن ثم فإن الإنسان لايمكنه أن يؤثر في الألوهية عن طريق الطقوس والشعائر والدعاء. إن فعل النعمة فينا هو خفي عنا، كما العون الإلهي مجرد فكرة، ومفهوم مفارق لا تؤكده التجربة. ولهذا فإنه لامجال للمعجزات.

لكن إذا كان لايمكن للإنسان التأثير في الإله عن طريق العبادات والطقوس، فكيف نفسر التسليم بإمكانية تأثير الفعل الأخلاقي في الإله؟ هل العبادات والطقوس الدينية أفعال طبيعية ضرورية؟ هل الإنسان الذي يؤدي الزكاة بنية صادقة وتقربا لله، أملا في السعادة الأخروية، خاضع لحتمية بيولوجية وليس اختيارا إراديا؟  هل هذا الإله الذي سلم به العقل العملي لايقبل إلا الفعل الأخلاقي الذي تتطابق فيه الإرادة مع القانون الصوري فقط؟ أم أن مايملكه الإنسان هو حقيقة مجرد أفكار فقط، فكرة الإله، فكرة العالم الآخر، فكرة الأخلاقية، وبالتالي، أقصى مسعاه هو تدبير وتنظيم أفكاره في هذا العالم؟

 

 

خاتمة:

تمثل المقاربة الكانطية محاولة رائدة في تجديد الخطاب الثيولوجي المسيحي. فبعد مسار طويل لتحالف الثيولوجيا والعقل النظري، اسفر عن تراث ميتافيزيقي غني، جاءت المساهمة الكانطية لإعادة تأسيس اللاهوت على أسس العقل المحض العملي. وهذا المنعرج الكانطي، جعل الأبحاث الثيولوجية تنحو منحى عمليا، وتستبدل الأسئلة التأملية بالغايات العملية للمفاهيم الميتافيزيقية. وهكذا أصبحت الأخلاق هي الخلفية الهيرمينوطيقية للاهوت، وإن كانت بعض تفرعاتها، تنذر بالهدم دون إعادة البناء.

وقد وجه هذا المنعرج الثيولوجيين إلى الثيولوجيا الأخلاقية، والثيولوجيا السياسية، وفلسفة الدين. وتم استبدال السؤال من سؤال الألوهية إلى سؤال الأبعاد العملية للدين. ورغم قيمته، فإنه محدود بحدود موضوعية مرتبطة بالمعارف المجزأة لتاريخ الأديان في عصره. ومحدود بالدين المسيحي، كنموذج للدين الموحى به.

أما في التراث الإسلامي، فإن علم الكلام لدى العدلية (معتزلة وإمامية)، فيمكنه الإستفادة من هذا النقد والتحول، خصوصا وأن علم الكلام الإمامي، يجمع بين المقاربة داخل العقل النظري و العقل العملي. فالعدل والإمامة ركنان يجتمع فيهما العمل والنظر، ويتجاوزان النظرة الميتافيزيقية التي تحول الإله إلى مجرد مبدأ  نظري مجرد، وتكرس الارتباط الإيماني الروحي بالعمل. وتعزز الآيات القرآنية، الارتباط بين الإيمان والعمل.

 

[1] . يتقوم النسق الميتافيزيقي – زمن كانط – من أربعة أجزاء رئيسية: الأنطولوجيا، الفيسيولوجيا العقلية، الكسمولوجيا العقلية والإلهيات العقلية. أنظر، Kant, critique de la raison pure, trad, Alain Renaut, Flammation, 2006, Paris, p.682

[2] . Kant, critique de la raison pure, trad, Alain Renaut, Flammarion, Paris, pp. 685-686.

[3] . Kant, critique de la faculté de juger,trad , Alexendre J.-L Delamarre, Luc Ferry, Heinz Wisman,Jean –René Ladmiral,  Marc B. de Launay, Jean- Marie Vaysse ; Gallimard ,1985, Paris, p.412.

[4] . Kant, E, critique de la raison pure, pp. 515-558.

[5] . kant, critique de la raison pure, p. 515-516.

[6] . Kant, critique de la raison pure, p. 594.

[7] . Ibid, p. 410

[8] . Ibid, p.591

[9]. Ibid, p. 592

[10] .Ibid, p. 593.

[11] .Ibid, p. 557.

[12] Ibid, p. 558.

[13] . Kant, critique de la raison pure, p. 64.

[14] Ibid, p. 653.

[15] . Kant, critique de la raison pratique, p.260

[16] .  Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion, p. 158.

[17] . كانط، الدين في حدود مجرد العقل، تصدير الطبعة الأولى لسنة 1793، ص. 45.

[18] . Kant, critique de la raison pure, p. 658.

[19] .  Kant, critique de la raison pratique, p. 255.

[20] . Ferry, Luc, une lecture des trois critiques, Grasset, 2006, p.

[21] . Kant, critique de la raison pure, p. 554.

[22] . يميز كانط بين الإلهيات الأخلاقية والإلهيات النظرية (الطبيعية والترسندالية). ويعتبر أننا لانجد في الإلهيات الترسندالية ولافي الإلهيات الطبيعية أي سبب جدّي لعدم التسليم إلا بكائن أوحد يمكن أن نضعه فوق كل الأسباب الطبيعية، ولا بأي علة كافية كي نخضع لها في الوقت نفسه هذه الأسباب من كل الجهات. بينما تمنحنا الإلهيات الأخلاقية إمكانية إثبات وجود الله وبعض صفاته، كالإرادة، والقدرة والعلم والسرمدية.

Kant, la critique de la raison pure, p. 664-665.

[23] . يحدد كانط في «قانون العقل المحض» غرض العقل في الأسئلة الثلاثة. Kant, la critique de la raison pure, p.658

[24], Kant, critique de la raison pratique, p. 256.

[25] . Kant, critique de la raison pure, pp. 666-667.

[26] .Dans l’article« A propos du jugement porté sur l’essence du christianisme », Feuerbach déclarait :Je ne blâme pas Schleiermacher, comme le fait Hegel, d’avoir réduit la religion à une affaire de sentiment, mais à cause de ses préjugés théologiques, de n’avoir pas réussi à tirer les conséquences nécessaires de son point de vue, de n’avoir pas eu le courage de voir et de s’avouer qu’objectivement Dieu n’est rien que l’essence du sentiment, du moment que subjectivement le sentiment est l’essentiel de la religion «Pierre Démange,l’essence de la religion selon Schleiermacher, Paris, Beauchesne, 1991,,pp.235-236

[27] . كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني، ط2، ص. 225.

[28] . بدوي، الأخلاق عند كانط، ص. 43.

[29] . بوترو، اميل،  فلسفة كانط ، ترجمة عثمان أمين، ص. 380.

[30] . كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ص. 240.

[31] .  ظهر كتاب الدين لأول مرة 1793 لدى نيكولوفيوس في مدينة كونيكسبورغ. ويتكون من قطع أربعة: الأولى، في أن مبدأ الشر ساكن بجوار مبدأ الخير، أو حول الشر الجذري في الطبيعة الإنسانية، الثانية: في صراع مبدأ الخير مع مبدأ الشر من أجل السيادة على الإنسان، الثالثة: في انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر وتأسيس ملكوت لله على الأرض، الرابعة: في العبادة والعبادة الباطلة تحت سيادة مبدأ الخير أو في الدين والكهنوت.

[32] . Eisler, Rudolf, Kant-Lexikon, Gallimard, 1994, paris, p.653.

[33] . يعرف كانط الدين الموحى به، بكونه الدين الذي أعرف فيه، أن شيئا هو أمر إلهي، قبل أن أعترف به بوصفه واجبي؛ بينما الدين الطبيعي، أعرف واجبي قبل أن أعرف أنه أمر إلهي. أنظر، الدين في حدود مجرد العقل، ص. 244.

[34] . كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ص. 160.

[35] . نفسه.

[36] . نفسه، ص. 167.

[37] . كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ص. 170.

[38] . نفسه.

[39] . نفسه.ص. 181.

[40] . نفسه، ص. 240.

[41] . كانط، الدين…، ص. 251.

[42] .Kant, critique de la raison pratique, trad, Jean-Pierre Fussler, Flammarion, Paris, p.253-254.

[43] . كانط، الدين، ص. 295.

[44] . إنه ليس ثمة أي واجبات خاصة تجاه الله ضمن دين كوني، وذلك أن الله لايمكن أن يتلقى منا أي شيء، فنحن لانستطيع أن نفعل فيه ولا من أجله. كانط، الدين، ص. 243.

[45] . نفسه، ص. 275.

Exit mobile version