ملحمة الأقصى:الدوافع والرهانات الجيوستراتيجية
الدوافع والرهانات الجيوستراتيجية
بعد التحية والصلاة والسلام على الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، افتتح المتدخل الأول د. محمد أكديد، باحث في علم الاجتماع السياسي كلامه بتعزية أسر الشهداء في كل من فلسطين ولبنان وتهنئة الفصائل والقادة داخل محور المقاومة على الإنجازات والجهود التي قاموا ولازالوا
يقومون بها في سبيل تحرير الأرض واستعادة الكرامة والعزة للشعوب العربية والإسلامية، لافتا إلى أن ما قامت به حماس لا يخرج عن هذا السياق في إطار المواجهة مع دولة الاحتلال الصهيوني التي استباحت أرض فلسطين، فشردت أهلنا هناك واغتصبت أراضيهم وأهانت مقدساتهم في عنهجية وازدراء متواصل وبدعم من عدد من القوى العظمى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
هكذا كان لابد من الإشارة إلى أبرز المدخلات والدوافع التي تمكننا من فهم وتحليل ما وقع خلال محطة السابع من أكتوبر، حيث طرح الباحث ثلاثة فرضيات كبرى أطرت النقاش الدائر حول منطلقات الهجوم على مستوطنات غلاف غزة. حيث يرى قسم من المتابعين والمحللين بأن هذا الهجوم إنما جاء بتدبير من إسرائيل وحلفاءها، وذلك باستدراج حماس إلى فخ الهجوم من أجل تبرير رد فعل الكيان الصهيوني القاضي بالقضاء على حماس بعد تشويه صورتها وربطها بالإرهاب وفي نفس الوقت استغلال هذه الفرصة لتفريغ غزة من أهلها وإعادة مقترح توطينهم في سيناء بمصر في إطار ما سمي بصفقة القرن التي جاءت بهذا المقترح الاستيطاني الخبيث، لكنها فشلت أمام صمود جبهة المقاومة ورفض مصر السيسي أيضا لهذا الإجراء.
في المقابل يرى فريق ثان بأن هذا الهجوم إنما جاء بتدبير من محور الممانعة، حيث يتهم هؤلاء الجمهورية الإسلامية في إيران بالوقوف وراءه خاصة بعد أن بات الجميع يتحدث عن غرفة عمليات مشتركة بين مختلف فصائل المقاومة وكذا وحدة الساحات، حيث يبرر هؤلاء طرحهم بسعي هذا المحور في إفشال قطار التطبيع الذي كان على وشك بلوغ محطته الأخيرة بين السعودية وإسرائيل قبل أحداث غزة، حيث كان سيهدد لو قدر له النجاح مصير مشروع المصالحة الإقليمية الذي تتبناه إيران حاليا في إطار الانفتاح على محيطها العربي والإسلامي، كما يرى جزء من هذا الفريق بأن روسيا والصين ليستا بمنأى عن هذه العملية الكبيرة خاصة الأولى، أي روسيا، وذلك لصرف الأنظار عن عمليتها في أوكرانيا وأيضا توريط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها المقربين داخل حلف الناتو الذي يمول ويقود الحرب ضد روسيا داخل الأراضي الأوكرانية في مستنقع الحرب في الشرق الأوسط من جديد، خاصة وأن هؤلاء وفي مقدمتهم فرنسا لازالوا يتهمون الروس بالوقوف وراء الانقلابات الأخيرة في إفريقيا لتقويض النفوذ الفرنسي هناك. ومما يعزز هذا الطرح هرع الولايات المتحدة الأمريكية بحاملة طائراتها إلى هناك لدعم إسرائيل من جهة وخشية دخول إيران ومعها كل أطراف محور المقاومة وتوسع دائرة الحرب لتشمل كل المنطقة، وأيضا زيادة اعتمادات الإنفاق العسكري خلال الاجتماع الأخير في الكونغرس الأمريكي لدعم كل من أوكرانيا وإسرائيل هذه المرة.
وأخيرا، بقي الطرح الذي يفيد بأن قرار الاجتياح كان قرارا داخليا صرفا وبتخطيط وتدبير من قيادة حماس، وهو الطرح الذي أكده السيد حسن نصر الله في أول خروج له بعد الأحداث الملتهبة في غزة ليفرمل كل التكهنات والتخرصات التي كان البعض يتمادى في ترويجها للتحريض على على محور الممانعة وتبخيس دور المقاومة الفلسطينية وتقزيم قدراتها، وهو ما شكل صدمة أيضا لإسرائيل التي يثق مسؤوليها ومواطنيها في كلام السيد أكثر مما يثقون في قادتهم الحربائيين.
وبذلك يكون السيد قد وضع النقاط على الحروف وسد هذا القوس، كما أكد على انخراط المقاومة في لبنان ومنذ الأيام الأولى للعدوان على غزة في المعركة ضد إسرائيل من خلال فتح جبهة الشمال واستهداف عدد من القواعد العسكرية ومنصات المراقبة وكذا جاهزية الحزب للتصعيد في حال تجاوز هذا الكيان حدوده، وهو ما وقع فعلا بعد استهداف العدو الإسرائيلي لمركبة مدنية ارتقى على إثرها شهداء مدنيون (ثلاثة أطفال مع جدتهم) حيث استعمل ولأول مرة أسلحة نوعية (صاروخ بركان ومسيرات انقضاض) مستهدفا عددا من المستوطنات شمال إسرائيل (مثال كريات شمونة) مما شكل ردا نوعيا من شأنه توسيع دائرة الحرب، خاصة بعد استهداف أنصار الله من اليمن للكيان المحتل بصواريخ باليستية اعترضتها البحرية الأمريكية والبريطانية في البحر الأحمر، وكذا استهداف كل من الحشد الشعبي وبعض فصائل المقاومة السورية عددا من القواعد العسكرية الأمريكية في كل من العراق وسوريا..
في الجانب الإعلامي، راهنت إسرائيل على تسقيط صورة حماس من خلال ربطها بالإرهاب خصوصا أمام المنتظم الدولي بالترويج لعدد من الصور التي تم أخذها خلال الأيام الأولى للاجتياح رفقة كم هائل من الافتراءات والأكاذيب التي رافقتها والتي كذبتها المقاومة فيما بعد من خلال عرض صور الأسرى الإسرائيليين وبث شهاداتهم على الهواء، وإن كان التوجه العام في الغرب قد ذهب بداية إلى تصديق الرواية الصهيونية إلا أن استهداف الآلية العسكرية الإسرائيلية للمستشفيات وطواقم الصحة في غزة خاصة بعد ارتكابهم لمجزرة مستشفى المعمداني سيشكك في مجمل هذه الرواية وسيعيد مرة أخرى إسرائيل إلى قفص الاتهام باستهداف المدنيين واستخدام قنوات البروباغندا الغربية خصوصا للتغطية على جرائمها.
في الختام، فشلت كل رهانات الكيان الصهيوني وحلفاءه في المنطقة والعالم بالقضاء على المقاومة الفلسطينية أو على الأقل عزلها عن الصراع في فلسطين، وبات خيار التفاوض لأجل إطلاق رهائن الكيان الغاصب وفيهم عدد من الضباط والقيادات العسكرية هو الأقرب والصعب على إسرائيل، حيث عرضت كل من قطر وتركيا وساطتهما في هذا الاتجاه، وإن كان التخوف من امتداد المعركة إلى حرب إقليمية لايزال قائما في حال استمرت إسرائيل في استهدافها للمدنيين الأبرياء في غزة بعد فشلها في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية والعسكرية رغم الدعم الغربي اللامحدود لعمليتها الانتقامية، إلا أنه لا يمكنها ضمان مخرجات هذا الخيار الذي قد يشكل بدأ العد التنازلي لنهايتها كما تقول بعض النبوءات التوراتية.
د. محمد أكديد – باحث في علم الاجتماع السياسي
من جانبه أبدى ،

