مقالات

الدين بين الأخلاق والميتافيزيقا عند شلايرماخر

 د. محمد بن المقدم

الدين بين الأخلاق والميتافيزيقا عند شلايرماخر

د. محمد بن المقدم

تقديم:

ظهرت فلسفة الدين كمادة دراسية في العشرين سنة الأخيرة للقرن الثامن عشر، واحتلت مكانة بارزة بين التخصصات الفلسفية. ولكن الاعتراف المؤسساتي، لم يوازيه وضوح في موقعها الابستمولوجي، بحيث ظلت معالمها غير واضحة، بشكل دقيق. وفي أحيان كثيرة، تتداخل أضلاعها مع مجالين قريبين منها، هما: الثيولوجيا الفلسفية والفلسفة الدينية. والثيولوجيا الفلسفية مبحث فلسفي قديم قدم الفلسفة ذاتها[1]. وكانت دوما، تحاول اتخاذ مسافة عن الممارسات والمعتقدات الدينية الشعبية الموجودة، اعتمادا على مسار محض عقلي يروم الفهم والانسجام والتطابق مع الله أو الألوهية. فرغم علمنة صورة العالم الموروثة عن الفكر الأسطوري، وانتقاد أفكار التشبيه والتجسيم في الدين الشعبي، فإن الفيلسوف اليوناني جمع بين النظر في الوجود الكلي والتأمل في الألوهي. وهذا الألوهي ليس إلا االكوسموس في نظر هؤلاء اليونانيين، أي النظام السرمدي للكون. وبات للفلسفة الأولى وجهان: وجه ثيولوجي يركز على الموجود الأول Etant premier ، و وجه أنطولوجي يهتم بالوجود بما هو موجود. والتكامل والتطابق أحيانا بين الوجود والألوهية، بين الأنطولوجيا والثيولوجيا منذ الفلسفة اليونانية إلى نيتشه، هو الذي وجّه البنية الجوهرية للميتافيزيقا الغربية حسب هيدغر.

وإذا كان الحكيم اليوناني، قد نظر في النظام السرمدي للكون – الألوهية – من أجل الانسجام معه اعتمادا على ملكاته الطبيعية المتوافقة مع هذه الألوهية، فإن العصر الوسيط، قد أزاح الكون ووضع مكانه النص، مع الاحتفاظ بكل الصفات التي حملها الكون اليوناني (النظام السرمدي، التناغم، مبادئ التراتبية…). حلّ الانسجام مع النص بدل الانسجام مع الكون، وترك الاستعداد الطبيعي للإنسان مكانه للقدر؛ وكلها حتميات قبلية تحدد ماهية الإنسان قبل وجوده. إن استبدال الثيولوجيا لمرآتها، لم يغير معه وظيفتها، وظلت الثيولوجيا دفاعا عن عقائد الفرقة أو الجماعة التي احتلت المركز ورمت بالفرق الأخرى إلى الهامش، وكأن الاختلاف غواية شيطانية أو انحراف إيماني.

أما الفلسفة الدينية، فإن الفيلسوف يكون مؤمنا قبل كل شيء، ويسعى إلى فهم فلسفي لإيمانه. ومن هذه الحيثية الذاتية والتاريخية، لاتدّعي الفلسفة الدينية الكونية والشمولية، وتحصر مهمتها في خدمة الدين الذي انطلقت منه. ويشهد تاريخ الفلسفة على عمق إيمان ومعرفة ممثلي الفلسفة الدينية، ونذكر منهم  بليز باسكال[2]،  و كيركجورد [3]وغيرهما.

ويرجع جون غرايش مفردة فلسفة الدين إلى الألماني Sigimund von storchnenaun(1731-1797) وهو من أتباع فولف wolf [4]. وهو ما يعني أن ما نسميه اليوم فلسفة الدين هو مجال حديث، ونتاج لإجهاض مجموعة من المشاريع الهادفة إلى تأسيس «ثيولوجيا فلسفية/طبيعية» تدور حول مفهوم مركزي هو «الدين الطبيعي». فإذا استثنينا المبشرين الأوائل بهذا المجال الفلسفي كدافيد هيوم واسبينوزا، فإنه يصعب الحديث عن فلسفة الدين قبل ق 18. فرغم وجود بعض الدراسات الخاصة بالدين إلا أنها لا ترقى إلى منح شرعية الحديث عن فلسفة الدين.

ورغم هذه الإيضاحات، فإن الحدود بين هذه المجالات، تبقى غير دقيقة، يزيدها غموضا وجود فلاسفة هم أنفسهم رجال دين، مما يتطلب أخذ ذلك بعين الاعتبار[5]. لكن رغم ذلك، ينبغي التأكيد مرة أخرى، على أن فلسفة الدين، وخلافا للفلسفة الدينية والثيولوجيا الفلسفية، لاتستوجب انتماء قبليا لدين ما، بل تبحث عن فهم للدين اعتمادا على الملكات العقلية أساسا. وننطلق من فرضية، أن أساس التساؤل الفلسفي الذي دشن مسيرة فلسفة الدين هو الانتقال من التركيز على الإله مباشرة إلى الاهتمام بالدين في كليته، وهو ما يجعلنا نعتبر أن شلايرماخر هو مؤسس فلسفة الدين. والملاحظ، أنه لم يكتب لحد الآن، أي مقال أو كتاب حول فلسفة الدين عند هذا الفيلسوف، رغم أهميته. ولذلك، سنحاول فهم مساهمته في هذا المبحث. فما الدين؟ وما الذي يميز الأخلاق والميتافيزيقا؟

-1- الدين والأخلاق والميتافيزيقا: اشتراك الموضوع

   بعد ست سنوات من نشر إيمانويل كانط «الدين في حدود مجرد العقل»، نشر شلايرماخر ، وهو عضو آنذاك في حلقة الرومانسية الألمانية[6]، كتابه: «عن الدين: خطابات إلى محتقريه من المثقفين[7]». عنوان يمثل وثيقة تاريخية عن موقف المثقفين والفلاسفة من الدين، في القرن الثامن عشر. موقف غلب عليه ازدراء الأديان الموحى بها، وانتشار للإلحاد. انبرى شلايرماخر الفيلسوف المؤمن للدفاع عن الدين في زمن قل فيه الفلاسفة المدافعون عن الأديان؛ وتبين له أن ذلك يحتاج إلى إبراز ماهيته الحقيقية، مع مراعاة قيم الحداثة والعقلانية، فكان بحق الرجل الحداثي والثيولوجي المسيحي، حسب وصف كارل بارث[8].

        انتقد شلايرماخر ما آلت إليه صورة الدين في عصره؛ حيث تحول إلى مرُكّب من أجزاء  لمجالات متباينة[9]. ورأى أن الخطوة المناسبة هي تدمير هذا المركب الاصطناعي، وتحويله إلى عدم[10]، وذلك بغية إعادة بناء صورة جديدة للدين، متحررة من ثنائية تاريخية قطباها الميتافيزيقا والأخلاق[11].

يؤكد الخطاب الثاني من الكتاب، على أن نقطة اشتراك الدين، الميتافيزيقا والأخلاق هي وحدة الموضوع، وتحديدا الكون وعلاقة الإنسان به. وهذا التشابه الموضوعي سبب ضلالات وأخطاء متباينة[12]؛ مما سمح للميتافيزيقا والأخلاق أن يتسربا بشكل كثيف إلى الدين، وحجبِ ما هو جوهري في الدين، بشكل غير متوقع. أضف إلى ذلك، مركزية الذات في الفكر الميتافيزيقي والفكر العملي، التفكير داخل إطار ثنائية الذات والموضوع، آنذاك، يمنح الأولوية للذات العارفة أو للذات الفاعلة على حساب الكون أو اللامتناهي أو الله. هذه المركزية الذاتية، تصطدم برغبة الدين في إعادة ترتيب وتنظيم العلاقة بين هذه الأقطاب الذات، الكون، الله، لأنه لا يرى في الإنسان أكثر مما يراه في كائن فردي ومتناهي آخر، صورة، وتمثيل اللامتناهي[13]. المتناهي، بشتى مصاديقه، مجرد تجل للامتناهي. وهو ما دفعه لتعريف الدين بالسلب: «الدين في جوهره، ليس فكرا ولا فعلا[14]».

  • 1-1-الدين ليس ميتافيزيقا:

   تنطلق الميتافيزيقا من مركزية الإنسان، وتحاول الارتقاء صوب معرفة كلية بالوجود. وتنهج التحليل والتركيب لإعادة تنظيم الكون وترتيبه[15]. واعتمادا على مقولات العقل، تبحث عن تفسير للمبادئ الأولى للوجود، واستنباط العالم وقوانينه من الأنا أفكر. ورغم قيمة المعرفة التأملية في تفسير العالم الطبيعي، فإنها تبقى عاجزة عن فهم كلي للعالم، مادام التفكير مؤطر داخل ثنائية الذات/الموضوع، وبسبب الهوة الموجودة بين الفكر والوجود. هذه الرغبة في فهم كلية العالم، لايحصل إشباعها دون التساؤل عن الالوهية، لهذا يسافر العقل النظري إلى ما قبل خلق العالم بحثا عن العلة الأولى للوجود. إن محاولة بناء/خلق عالم، يجبر العقل التأملي على الاستغراق في ملاحقة العلل والاستنتاجات اللامتناهية، وطبائع الأشياء المتكثرة. وليس الدين ملزما باقتحام هذه العوالم المجردة والمتشابكة من الآراء والنظريات، ولا من وظائفه الكشف عن طبائع الأشياء المادية والموجودات المتنوعة، أما التناقضات الظاهرة في الواقع، فهي ليست تناقضات حقيقية إلا لوعي لاديني.

   أحدث شلايرماخر تحولا منهجيا، من خلال الانتقال من الاهتمام بالإله وصفاته وأفعاله إلى الإنسان؛ انسجاما مع  الباراديغم الذي  كان سائدا آنذاك، الهادف إلى تنصيب الإنسان مصدرا للمعرفة والفعل، والذي أفقد كل الأشياء الأخرى قيمتها في ذاتها، بما فيها الكون والإله. ورغم هذا التوافق مع مبدأ الحداثة (مركزية الذات)، إلا أن سعيه هو خلق تكامل بين الفردي والكوني في الدين وبالدين، تنتصب فيه الأنا والكون « كنقطتين تتراوح بينهما الروح[16]». وما الروح إلا مسكن الإله.

    وجّه شلايرماخر عنايته صوب الإنسان المتدين[17]. وراح يسبر أغواره باحثا عن جذور الدين وجوهره. واكتشف أن ماهية الدين تسكن لدى مؤمن يعيش تجربة روحية، ذلك أن الشعور الديني، إنما يوجد في أعماق كل قلب بشري، بل هو يدخل في صميم ماهية الإنسان، مثله في ذلك مثل العقل سواء بسواء[18].

 إن الدين ليس فكرا تأمليا، ويختلف جوهره عن بنية الميتافيزيقا الغربية. وهذا ما عبّر عنه هيدغر، مستعيرا المفهوم الكانطي الأنطوثيولوجي[19]    ontho-théo-logie بالقول: أن إله الأنطو- ثيو- لوجي الذي يشغل عادة العلة الأولى Causa Sui ليس هو نفسه إله الوعي الديني. وإلى مثل هذا الإله، لا يمكن أن يتوجه الإنسان بالصلوات، ولا بالقرابين والتضحيات، ولا يمكنه أن يخر على ركبتيه ساجدا متضرعا، ولن ينشد الترانيم والأناشيد أو يرقص في حضرته بخشوع[20].

لقد سعى شلايرماخر إلى إبعاد جوهر الدين عن بنية الميتافيزيقا التي بدأت معاول الهدم تقصدها، وهو ما مكنه من توجيه التدين البروتستانتي صوب تأسيس الثيولوجيا على التجربة الدينية، وبذلك استحق أن يصنف كأب للثيولوجيا الحديثة، وأحد أهم الثيولوجيين في تاريخ المسيحية، يقف في نفس صف القديس أوغسطين والأكويني وكالفان[21]

1-2- الدين ليس هو الأخلاق:

شكل الدين الأخلاقي الكانطي التحدي الآخر لعمل شلايرماخر. وتندرج النظرية الكانطية للدين أساسا في استنباط الأمر الأخلاقي وبناء ثيولوجيا عملية تمر من نقد الثيولوجيا التأملية إلى نظرية مسلمات العقل العملي[22]. ومن خلال مسلمات العقل العملي يتم وضع إطار للاعتقاد العقلي.

     انطلق كانط من كون الإنسان قادر بذاته وفي ذاته أن يكون مشرعا وذاتا للواجب الأخلاقي. تشريع ذاتي لواجب عقلي كلي وغاية في ذاته، وهو ما جعله يصرح، أن الأخلاق لا تحتاج إلى الدين، بل هي مكتفية بذاتها بفضل العقل العملي المحض[23]. بيد أن الإنسان ليس شيئا في ذاته فقط، بل هو أيضا ينتمي إلى عالم الزمان والمكان، ومن حقه أن ينشد السعادة. وتتوقف السعادة على المعرفة والقدرة، معرفة مطلقة بكل مايحدث وسيحدث في العالم، والقدرة على توجيه ذلك تبعا لرغبات الإنسان وحاجاته. وهذا ما يجعل السعادة خارج مكنة البشر. أما ما يستطيع فعله، فهو الالتزام واحترام الواجب الأخلاقي، أي السعي إلى الفضيلة. ولكن لن يكون سعيدا بذلك فقط. هذا الترابط بين الكمال الأخلاقي (الفضيلة) والسعادة يكون حقيقيا إذا كان الإنسان كائنا عاقلا محضا فقط، والحال أنه ليس كذلك: فهو خاضع لنزوات ورغبات حب الذات، وهذه الميول والاستعدادات طبيعية وحقيقية، وتحتاج إلى إشباع. وليست الأخلاق في حقيقة الأمر المذهب الذي يعلمنا كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا سعداء، بل تعلمنا فقط، كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا جديرين بالسعادة. ومن أجل التعبير بطريقة ساخرة، نقول: يمكنك أن تلتزم بواجباتك وتكون فقيرا وعليلا، في حين يمكن لمن لايلتزم بواجباته، أن يكون غنيا وسليم البدن. ومن أجل أن يجازى الفاضل والمحسن ويعاقب المسيء والمذنب، لابد من الأمل في عدالة عليا سامية، تتجاوز عدالة البشر. لكن هذه العدالة لايمكن أن تكون في هذا العالم، لذلك سيكون معقولا الأمل في وجود عالم آخر حيث تقام هذه العدالة المرجوة من قبل قوة عليا مطلقة. مما يعني أنه ينبغي الاعتقاد بوجود عالم آخر وإله مطلق القدرة. وهكذا يظهر، أنه لايصبح لنا أمل في أن نشارك ذات يوم في السعادة إلا إذا انضاف الدين إلى الأخلاق[24]. لكن أي دين؟ هل هو الدين العقلي أم الدين التاريخي؟

    لقد آل التفكير في أخلاق خالصة إلى الاعتراف بوجود مبدأ فاعل، هو الله. وصارت بذلك الأخلاق تقود إلى الدين [25]وليس العكس. أي تقود إلى مشرع أخلاقي واسع القدرة، في إرادته –الله– تكمن تلك الغاية النهائية لخلق العالم التي يمكن ويجب أن تكون الغاية النهائية للإنسان. هذا الايمان ذو طبيعة عقلية لأن العقل هو الذي برهن على ضرورة الاعتقاد بوجود الله، وخلود الروح والحرية الإنسانية، إذا أردنا أن يكون ربط واتحاد السعادة بالفضيلة كاملا.

 إن التمسك بهذا النوع من الايمان العقلي والجماعة الأخلاقية المجردة لا يكون ممكنا إلا في الدين الطبيعي. وإذا توقفنا عند الاعتقاد بوجود إله وخلود الروح، حيث توقف كانط طويلا، فهذا لا يسمح لنا بالحديث عن الدين، كما هو متعارف عليه. الحديث عن الدين، يستدعي استحضار مجموعة من العقائد والطقوس والعبادات والمؤسسات، يعني شكل تاريخي للدين. ولم يأخذ كانط هذا النوع من الدين في الاعتبار إلا في كتبه التي ألفها بعد المرحلة النقدية، خصوصا في كتاب 1793«الدين في حدود مجرد العقل». وهذا النمط من الدين هو الذي يطرح تحديا على العقل الكانطي، صحيح أن العقل العملي، نجح في إبراز الضرورة العقلية للإيمان بوجود الله وخلود الروح، أي سلم بمعقولية الدين الطبيعي؛ ولكن لماذا الدين التاريخي ضروريا أيضا؟ لم الاستعانة والاستنجاد بشكل مؤسساتي؟ لماذا لا يستطيع الشخص الأخلاقي تحقيق كماله الذاتي؟ لم يصعب على كل فرد أن يخرج بمفرده من القصور الذاتي ويعانق التنوير؟

 إن الانتقال من البعد النوميني للإنسان إلى الوجود الإنساني المتجذر في العالم المحسوس، يفترض تغيير الرؤية الأنثربولوجية المؤسسة للتصور الديني عند كانط. ففي هذا العالم الزماني، تظهر إشكالية الشرle Mal  ، كعنصر أساسي، وشرط وجود للدين التاريخي. إن الشر هو الذي أرغم كانط على الانتقال من الذات الفردية إلى ذات جماعية (الجنس البشري)، وأناط بها تحقيق الخير الأسمى بدل الفرد. الشر بالنسبة لكانط ليس هو غياب الخير، بل هو مبدأ في ذاته، إرادة منحرفة، إرادة فعل الشر ليست فقط خطأ أو جهلا أو ضعفا، بل إرادة للشر في ذاته ومن أجل ذاته، إرادة الشر بالشر. مبدا الشر هو اختيار عميق. الشر ليس هو الحساسية، حب الذات، الشر هو القلب الإرادي للنظام الأخلاقي، إنه الاختيار المتعمد لفعل الشر. الوجود بين مبدأين، مبدأ الخير ومبدأ الشر الجذري، يجعل الشخص عاجزا عن البقاء على الصراط المستقيم. وينضاف بذلك التناهي الأخلاقي إلى التناهي المعرفي. ورغم أهمية الدين التاريخي ووظيفته، فإن إيمانويل كانط، يعتبر أن الدين الحقيقي هو الدين الأخلاقي. أحدث إيمانويل كانط تحولا جذريا في الخطاب الثيولوجي، وذلك بجعل الأخلاق سلما للإلهيات بدل الطبيعيات، كما كان الحال في ثيولوجيا العصر الوسيط.

   انتقد شلايرماخر عدم الفصل بين الدين والأخلاق في النظرية الكانطية، واعتبر أنه إذا كانت الأخلاق تتأسس على مسلمة حرية ذات متعالية، بعيدة عن عالم الكون والفساد، فإن الدين« يتنفس حيث صارت الحرية طبيعة[26]»، الدين مكون للطبيعة الإنسانية. وإذا كانت الأخلاق، تنسج اعتمادا على ذات متعالية، حرة، بعيدة عن عالم الكون والفساد، نسقا من الأوامر والالتزامات، وتشرع بطريقة لامحدودة ولا مشروطة. فإن الدين لايسعى للتحول إلى مدونة قانونية لضبط السلوك والفعل.

يختلف الدين عن الأخلاق لأنه ليس فعلا في الطبيعة، بل ملاحظة للامتناهي المعطى في المتناهي. ينظر الدين للإنسان كتمثيل لكلية الطبيعة. بالمقابل، تنظر الأخلاق للإنسان بالانفصال عن الطبيعة، وتربط نسق الواجبات اللامشروطة بالله، المشرع الأخلاقي الأسمى. الأهم بالنسبة للأخلاقيين هي الإرادة الإلهية، مما يقربهم من الميتافيزيقيين، أما «في الدين، فإن فكرة الله ليست بذات الأهمية[27]». 

يمكن استثمار هذا التمييز بين جوهر الدين والأخلاق من أجل تأويل تجربة من التراث المشترك بين الأديان التوحيدية، وهي تضحية النبي إبراهيم بابنه[28]. لا يمكن فهم تضحية إبراهيم إلا بافتراض تمييز بين الشعور الديني والفعل الأخلاقي. على المستوى الأخلاقي، لا تسمح أي مدونة أخلاقية للأب بقتل ابنه، بل تأمره بحمايته ورعايته بالحب والحماية والنفقة. في حين أن إبراهيم، رجل مؤمن أيضا، وفي هذه العلاقة، استشعر أنه ملزم بطاعة ربّه والتسليم بأوامره.  من الناحية الأخلاقية، يمكن تأويل السلوك الأخلاقي كجريمة، بالقول أنه أراد قتل ابنه؛ بينما من الناحية الدينية، يمكن تأويل التجربة كتضحية، وتنازل إرادي عن أغلى ما يملك تقربا لمعبوده. التضحية من مقولات العالم الديني بينما تدخل الجريمة ضمن عالم القيم الأخلاقية. تعبر الجريمة عن مشاعر الغضب، الحقد والبغضاء؛ وهو ما لا تلامسه تجربة التضحية بما يرافقها من حرية واستعداد للعطاء. يظهر أنه في تجربة وجودية واحدة، قد يدخل الشعور الديني في صراع مع الواجب الأخلاقي؛ وبالنسبة لشلايرماخر، فإن «وحده الشعور الديني يمنح للإنسان الكونية[29]». ويرفعه فوق المحايثة الأخلاقية. ومن هنا يظهر سمو الإنسان المؤمن المستبطن للقيم الدينية عن الإنسان الفاقد للإيمان، رغم أخلاقية أفعاله، ذلك أن النظر إلى الإنسان في كليته يتجاوز اختزال الإنسان في بعد واحد.

  • 2- الدين إحساس وحدس للكون:

بعد التعريف السَّلبي للدين، (الدين ليس فكرا ولا فعلا)، عرّف شلايرماخر الدين بالإيجاب، الدين إحساس وحدس للكون. وكان شلايرماخر سنة 1799، يستعمل كلمة الكون للتعبير عما سيسميه فيما بعد اللامتناهي، الواحد، الكل، الأبدي، الألوهي، والله.

   نقطة الانطلاق إذن، هي الإيمان الديني العميق الذي تخبره الروح بطريقة أصيلة. إنه البعد الأنطولوجي في الدين، وجوهره وروحه وباطنه العميق، وهذا الايمان هو الذي يمنح الدلالة والمعنى لكل التعابير والتجليات الخارجية للدين. إنه القبلية الهيرمينوطيقية لفهم تلك التجليات الموضوعية التي قد تعكس تلك التجربة الدينية الجوانية أحيانا، وقد تشي بعكسها، أحيانا أخرى، كما لدى العديد من رجال الدين وأتباع التصوف الطرقي السلوكي الذي يؤرخ غالبا لمرحلة تقهقر المجتمعات وتخلفها[30]. وإبعاد الإنسان المتدين، كمجال لفهم جوهر الدين، سيؤدي إلى الحرمان من النور الذي يضيء الأفعال والتعابير الخارجية للدين. الانطلاق من تجربة دينية [31]مخصوصة، سيكون أكثر نجاعة من بناء قبلي للدين، لأن الدين الخالص لا يعطى إلا في أديان متناهية وتاريخية. فحدس الكون والتعلق بالمطلق، والإيمان بالله، يتم من وجهة نظر محددة ومتناهية، تذكرنا بعلاقة الجواهر البسيطة (المونادات) بالله عند ليبنتز[32]. التعددية الدينية لاتعني تعدد الجواهر، ولكن تكشف عن تعددية في تجليات الجوهر الواحد. لكن ماهي مكونات هذه التجربة الدينية؟

يعترف شلايرماخر بصعوبة التعبير عن التجربة الوجودية العميقة سواء كتجربة دينية أو تجربة جمالية. ويعتبر أن الفصل بين الحدس والشعور هو لضرورة علمية بحثية فقط. وتحويل التجربة الدينية التي تتصف بالوحدة والانسجام إلى مفاهيم عقلية، هو ناتج عن هذه الصعوبة التي عانى منها المتصوفة والعرفاء والشعراء. يقول شلايرماخر:« أعرف إلى أي مدى لايمكن وصف مدى سرعة اللحظة الأولى العجيبة، التي تسبق الفصل بين الحدس والشعور، داخل الإدراك. هذه اللحظة التي يندمج فيها الدال بمدلوله في وحدة، قبل أن يأخذ كل واحد مكانه الأصلي[33]».

2-1-الشعور للابتعاد عن الفعل

يدخل الكون والذات المتدينة في علاقات مختلفة، منها الحدس، ثم الشعور. في الحدس، يمارس الموضوع تأثيرا علينا للتعبير عن وجوده. وهذا الفعل، يخلق تغييرا في وعينا. يحدث وعي بحقيقة المؤثر، ووعي بالتغير الذي تحدثه تلك الحقيقة. ينتمي الشعور إلى العنصر الثاني، البعد الذاتي في الدين؛ البعد الحميمي في حياتنا الباطنية. وهو أيضا انفتاح على العالم الموضوعي الخارجي، وليس انعزالا في أنا وحدية. « نفس الأفعال التي ينكشف بها لكم الكون في المتناهي، تنسج أيضا علاقة جديدة مع روحكم، ستغمركم مشاعر مختلفة عند تأملكم له حدسيا، مع فارق هو أن العلاقة بين الحدس والشعور في الدين ليست نفسها في المجالات الأخرى، فهي هنا أكثر صلابة كما، أن الحدس ليس مسيطرا إلى درجة اضمحلال الشعور[34]».  

الشعور الديني هو – شعور – تام وكامل، وليس خالص، لأن الوعي أو الوعي بالله دوما هو وعي بشيء ما[35]. وهنا يتجنب شلايرماخر، تلك النزعة الانطوائية والانعزالية الغارقة في الذاتية، التي يتحول فيها الشعور إلى وعي فارغ. الشعور الديني هو تجسيد لاستيعاب اللامتناهي ومن خلال المتناهي، وليس استيعابا للامتناهي في ذاته؛ استيعاب لوحدة الباطن والخارج. «الشعور الديني هو لحظة سلب ونفي لكل التناقضات. إنه درجة الصفر التي هي لافعل ولافكر (نظري). إنه المكافئ للشعور المحض أو الشعور الترنسندنتالي عند كانط[36]. الشعور الديني كوعي بوجود الله لايحصل إلا من خلال الأشياء، أو من خلال العالم وذواتنا.

لا يعبر الشعور عن حالة وجودية فقط، بل أيضا عن فعل الكون وتأثيره على الإنسان. بدون الذات، فإن الكون سيكون مجرد محض تعددية وأجزاء متناثرة غير منتظمة، وبدون الكون لن تعي الذات ذاتها. إن الذات مسؤولة عن النظام، فهي التي تسبغ النظام على الكون. إنه تأويل للعالم وتشكيل للذاتية.

 ويقدم الخطاب الثاني مجموعة من الأحاسيس الدينية، منها: التواضع، حب الغير، الإيثار، الاعتراف، الفضيلة، الشفقة…كل هذه الأفعال لا تهدف إلى إثارة أفعال بقدر ما هي غاية في ذاتها[37]. صحيح أن المشاعر ترافق كل الحياة الإنسانية كموسيقى مقدسة، إلا أنها لا تنتجها. الإحساس شرط إمكان كل فعل إنساني نبيل. إن شحنة الإيمان الديني، عندما تغمر الإنسان، تنسيه ذاته وتنسيه الموضوع أيضا[38]. وتضمحل الهوة الفاصلة بين الذات والموضوع.

  • 2-2- الحدس لإبعاد الميتافيزيقا

ينبغي أن نذكر دائما، أننا نحلل تصورات داخل السياق المسيحي الغربي الذي عانى من تعسف رجال الكنيسة، وتحالفهم مع الطبقة الإقطاعية ونبلاء المجتمع ضد عموم المجتمعات المسيحية.ومعلوم أنه في التقليد الفلسفي، يعتبر الحدس معرفة مباشرة. ويميز كانط بين نوعين من الحدوس: حدس حسي وحدس عقلي فكري. الأول خاص بالإنسان وذو طبيعة سلبية   affection passive. بينما الثاني هو حدس خلاق ومبدع وأصيل، يخلق موضوعه خلقا، وهذا لايكون إلا لله. أخذ شلايرماخر، هذا النوع من الحدس، ونسبه إلى الإنسان، وجعله مبدأ التدين. وفي هذا الإطار، صرّح أن حدس الكون يشكل: مركز خطابي، إنه المعادلة العامة والأسمى للدين، الذي من خلاله يمكنكم أن تسيروا في كل السبل، ومن خلاله يتحدد وجوده وحدوده بطريقة دقيقة[39]. ينطلق الحدس من تأثير موضوع الحدس على الذات المتأملة، بفعل أصيل ومستقل يمارسه الموضوع على الذات، التي تتلقاه، وتدركه بتناسب معه[40].

للحدس بعدان، ذاتي انفعالي يحتاج فيه الإدراك إلى كمال الأعضاء وسلامتها، وموضوعي تجسده فاعلية الكون. يتأرجح  الحدس بين الفعالية والاستجابة.، بالانفتاح على العالم الموضوعي، تجاوز ذاتية فيتشه. وبانتقاله من الأنا المتعالية إلى الذات الأنطولوجية، ابتعد عن السقوط في الأنا الوحدية.

 ويختلف الحدس الديني  أيضا عن الحدس في نظرية المعرفة عموما، وجوهر هذا الاختلاف هو موضوع الحدس ذاته، فالحدس الديني موضوعه الكون كوحدة للمتعدد، وتوحيد للمتكثر، موضوعه هو الكلي، بينما يتعلق الحدس الحسي بالموضوع الجزئي، المنعزل والمنفصل [41]. إذن، ليس هناك نوعان من الحدوس، بل فقط موضوعان مختلفان: إما الكون في كليته أو ظاهرة جزئية متزمِّنة.

الحدس فريد وخاص، مستقل عن العمليات الأخرى، وكل محاولة لجعله نسقا هي محاولة تنتمي للميتافيزيقا لا إلى الدين. لا يعرف الدين لا استنباطا ولا نسجا لعلاقات تركيبية[42]. لهذا، اعتبر شلايرماخر أن فكرة تكوين نسق من التجارب الحدسية فكرة غريبة. كل ما في الدين هو مباشر وحقيقي بذاته، رغم بعض التشابهات بين التجارب الحدسية، فكل واحدة تحمل فرادتها في ذاتها.كل فرد هو تجلي للدين اللامتناهي. وفي قلب هذا الدين تتعايش كل المتناهيات، دون أن تزعج أحدهما الأخرى، الكل واحد، الكل حقيقي. وهذا الإحساس المباشر بالتعلق المطلق[43] يسكن كل الأديان، وهو تجسيد للوعي باللامتناهي من خلال المتناهي. و لا يمكن التفكير في الله إلا في وضمن حدس محدد، بما فيه داخل المجال الديني، لا يمكن الشعور به بطريقة أخرى [44].

  • العلاقة بين الحدس والإحساس:

 للشعور والحدس أهمية قصوى في فلسفة الدين لدى شلايرماخر. فلا الحدس وحده قادر على التعبير عن اصالة الدين، ولا الشعور منفردا يستوعب كلية الدين. فقيمة الشعور والحدس في تمازجهما وتعاضدهما الدائم. وبدون الارتباط بالله من خلالهما، سيعيش الإنسان بوعي منعزل عن ذاته في غربة واستيلابا. ولكن ذلك، لاينفي خصوصية، كل منهما. فإذا كان الحدس هو مبدأ الدين، فإن قوة الإحساس هي التي تحدد درجة التدين  la religiosité. أي أن الإحساس هو مقياس التفاضل في درجات الايمان. وبقدر ما كان الحدس مقابلا للمعرفة التأملية، فإن الإحساس يقابل الفعل Action.  البعد الحدسي هو استبعاد للبناءات الميتافيزيقية النظرية، أما الجانب الشعوري فهو تأصيل وجودي روحي للفعل وليس هو الفعل كما فهمته الإتيقا الكانطية.

   وابتداء من الطبعة الثانية لكتاب «عن الدين » 1806، ستختل العلاقة بين الشعور والحدس، وستؤول في الأخير لصالح الشعور Gefühl. ويصبح الشعور وحده هو المجال الخالص للدين. الإحسسا باعتباره تعبير عن الوجود والحياة التي تجمع الذات والكون، وبامتلاك الإنسان للإحساس كلحظات دينية فردية، وكفعل إلهي من خلال الكون، تفيض التقوى والإيمان[45]. إن الشعور الديني، هو جوهر الدين، إنه تعبير عن الوحدة الأزلية للذاتي والموضوعي، للروح والطبيعة، للفكر والوجود.

و في كتاب « الجدل Dialectique»، يتحدد الشعور كوعي ذاتي مباشر[46] الذي يكوّن وحدة الفكر والإرادة. في الشعور، تحدد ذاتنا بطريقة ما، كوحدة لكائن مفكر مريد ومريد مفكر، بفضل الشعور تعدم وتذوب التناقضات. ويصبح الشعور هو قنطرة العبور بين الإرادة والفكر. بين الدرجة القصوى للعودة إلى الذات (المعرفة) ولحظة الخروج من الذات (الفعل). في هذه اللحظة، لا يوجد فكر نظري، يريد استيعاب موضوع معطى، ولا فكر مريد يهدف إلى تحقيق موضوع ما؛ «التناقضات بين الفكر والوجود، بين القانون الروحي وقانون العالم تتوقف عن الظهور، إلى أن تضمحل وتختفي[47]». فهذا الوعي الذاتي هو الدرجة الصفر من الوعي، إنه الأنا في ذاتها  le Je en soi، إنه العلاقة الوجودية المباشرة، كما كتب شلايرماخر إلى Lucke[48].

وبربط الشعور بالإرادة والفكر، يكون الشعور الديني تجاوزا للدين الطبيعي الذي اعتقد ان معرفة الله وخلود الروح ممكنة اعتمادا على العقل النظري[49]؛ وتجاوزا للصورية الكانطية التي أرادت تأسيس الدين على ملكة الإرادة أيضا. لقد فشلت تلك المقاربات في استيعاب المطلق، عندما استبعدت البعد الروحي من الدين، في نظر شلايرماخر.

خضع استعمال شلايرماخر لمفهوم الحدس لتطورات دلالية، تعكس حيوية فكر هذا الفيلسوف وتفاعله مع الأنساق الفلسفية التي حاورها. فقد تغيرت دلالة مفهوم الحدس بين طبعة 1799 و1806. مثلا، نجد أن الخطاب الثاني، أصبح يستعمل «تأمل الإنسان المؤمن ليس إلا الوعي المباشر بالوجود الكوني لكل متناه في اللامتناهي وباللامتناهي» عوض «جوهر الدين هو الحدس والإحساس [50]». مما جعل مفهوم الوعي المباشر بالكوني يحل محل الحدس والإحساس. وسيتطور فيما بعد إلى التعلق المباشر بالمطلق، في كتابه الأساسي الأخير، نظرية الإيمان .

  • 3- جمالية تلقي شلايرماخر:

نستعمل هنا جمالية التلقي كما نظَّر لها هانس روبر ياوس Hans Robert Yaws  1921-1997 .  فقد أثار تعريف شلايرماخر للدين « كشعور وحدس للكون » تأويلات مختلفة حول خلفياته الفلسفية والدينية.  منهم من رأى، أن شلايرماخر:

  • 3-1- ذو نزعة صوفية Mysticism:

     ساهم نقد شلايرماخر للدين الطبيعي، وتفكيك الخلط بين الثيولوجيا والدين، والدفاع عن أولوية الشعور والحدس عن العقل الاستدلالي النظري لاستيعاب جوهر الدين، في جعل العديد من قرائه، يرون في سبيله مسلك المتصوف. صحيح أنه أعاد تشكيل الإيمان المسيحي بتأويل صوفي؛ إلا أن تصوفه لم يكن تصوفا سلبيا انعزاليا، بل يمثل فيه اللامتناهي، قوة الحياة وطاقة روحية، وتحول الدين بفضله إلى حركة وفعالية، تتعايش داخله الثقافة والتصوف، الصلاة والعمل، الباطن والفعالية الخارجية. وهو ما يبعد تدينه عن كل نزعة باطنية جامدة معادية للعقل من جهة، كما هي لدى جاكوبي(1743-1819)[51]، ويجعله ينشد الفعل ويشكل الحياة من جهة أخرى. إن تصوفه ذو روح إيجابية فاعلة بعيد عن السلبية[52]. وانعكس ذلك على دور التدين البروتستانتي في التقدم الاقتصادي الغربي.

  • 3-2- ذو نزعة شعورية Sentimentalisme:

اعتبر لودفينغ فويرباخ (1804-1872م) أن شلايرماخر اختزل الدين إلى نزعة شعورية ذاتية؛ في كتاب يحمل عنوانه أكثر من دلالة: نقد اللاعقل الخالص: جوهر المسيحية[53].  وإذا كان فويرباخ متفق مع شلايرماخر على كون الشعور هو جوهر الدين، فإن الاختلاف بينهما جد عميق، ففي الشعور المباشر بالارتباط بالمطلق[54]، لايرتبط الإنسان بالله، بقدر ماهو ارتباط بالنوع البشري. وفي هذا الإطار، يقول فويرباخ: «لا ألوم شلايرماخر، كما فعل هيغل، على اختزال الدين إلى مسألة شعورية، بل لخلفياته الثيولوجية وغياب الشجاعة الفكرية، لأن ذلك حجب عنه الرؤية ومنعه من استخلاص النتائج الضرورية عقليا، المترتبة عن تعريف الدين كشعور وحدس للكون[55]».

      ركز فيورباخ على موضوع الإحساس، فتبين له أن الإنسان ينقل كينونته الجوهرية خارج ذاته، ويجعلها غرضا لفكره قبل أن يجدها هو نفسه. فيغذو معه الإله ليس إلا جوهر الشعور موضوعيا، في لحظة يمثل الشعور جوهر الدين ذاتيا[56]. وهكذا حصر مضمون الشعور الذاتي ضمن نطاق أنثروبولوجي دون تجاوزه إلى مضامين مفارقة. واستحال الدين عنده إلى الوعي الذاتي الأول للإنسان بطريقة غير مباشرة؛ ولحظة من لحظات التاريخ، الفردي والجماعي، السابقة على الفلسفة. وهذا الاعتراض، قد يكون بسبب سوء فهم دلالة الشعور الديني لديه، الذي هو شعور تام، ولكنه ليس مقولة فارغة، لأن الوعي بالله هو دوما يتضمن وعيا بشيء آخر. الوعي بالكلية واللاتناهي يمر عبر الوعي بموجود متناه مفرد[57].

 لقد كان التناهي  finitudeالإنساني الذي أسس عليه إيمانويل كانط فلسفته الأخلاقية والدينية،  يحتاج إلى من يستثمره إلى أبعد الحدود؛ وهو ما قام به هنا شلايرماخر وتلميذه فيورباخ.  أغلق فيورباخ هذا التناهي وضيّق حدوده، فتحول معه الدين إلى تعبير عن ارتباط الإنسان بذاته، بكينونته الجوهرية؛ لكنه يرتبط بهذه الكينونة كما لو أنها كينونة أخرى[58]. وسار فيورباخ في طريق معاكس لأستاذه؛ وأعاد الثيولوجيا إلى جذورها الأنثربولوجية، بعدما جعل شلايرماخر الأنثروبولوجيا متكأ للثيولوجيا.

  • 3-3- ذو نزعة لا عملية/ لاأخلاقية immoralisme:

هذا التأويل الثالث، يرى في استغراق شلايرماخر، في المعرفة الحدسية المباشرة، إبعاد للدين عن الأخلاقية واقتراب من ضدهاimmoralisme اللاأخلاقية. ويبدو أن إصرار شلايرماخر على استقلالية الدين عن الأخلاق، وتأكيده على أن الدين يحافظ على أصالته وهويته كلما ابتعد عن الفعل Action ،  هو سند هذا التأويل. بيد أن غاية شلايرماخر، من إبراز الحدود، لم تكن أكثر من إعادة ترتيب للعلاقة بين الدين والأخلاق، وليس استبعادا لبعضهما. ويزداد موقف شلايرماخر وضوحا، عندما نقارن وجهة نظر كتاب «عن الدين» مع كتاب «الأخلاق لسنة 1805-1806 »، أو مع كتاب «نظرية الإيمان »حيث تظهر بوضوح علاقة بين الدين والأخلاق. من جانب آخر، يمكن تنسيب هذا التأويل بالإشارة إلى سببين:

أولا، لاينبغي الخلط بين الخصوصية والنقاء الفارغ. يحاول شلايرماخر، أن يبرز خصوصية الدين واستقلاليته، وهذا  لا يعني انعزاله وانفصاله عن الأخلاق، المعرفة، الفن وكل تعابير الروح. بل تتجسد خصوصية الدين في نوعية العلاقات التي تربطه بهذه التعابير.

ثانيا، مضامين بعض خطب كتاب «الدين» ذاتها تبرر هذه العلاقة. يقول شلايرماخر: «إرادة المشاركة في النظر والعمل دون دين، هو افتراض متهور، وعداوة وقحة تجاه الآلهة، إنها الروح المتمردة لبروميثيوس[59]».

يظهر الدين كشرط إمكان الفكر والعمل. ليس للفكر معنى إلا لأن حماسة الدين حاضرة سرا في روح الباحث؛ وليس للأخلاق معنى كمجهود للتشبه بالإله إلا بالشعور الديني، وإلا فستكون عبارة عن محاولة لبلوغ الآفاق دون سلطان؛ « أن نكون أخلاقيين بدون دين، أو أن يكون شخص ما متدينا مؤمنا، ولا أخلاق له، فإن هذا أيضا مستحيل، ويستتبع ذلك، أن نكون أخلاقيين نتعاطى للعلم دون دين[60]». لقد أسند شلايرماخر الشعور الديني دور واهب للتناسق والانسجام البديع بين كل العلوم والفنون التي رآها منفصلة بعضها عن بعض. والقوة التركيبية للروح، «ومركز الإنسانية والحضارة الحديثة[61]».

 خاتمة:

واجه الدين معارك متنوعة، في مسار تطوره التاريخي، نتيجة خلق تماهي بينه وبين اللاهوت أحيانا، وبينه وبين الشريعة أحيانا أخرى. وحجبت جدران المؤسسات الكنسية جوهره، وشوهت خطابات القسيسين ومبررات السلاطين صورته. وقد يكون التمييز الذي أقامه شلايرماخر بين الدين من جهة والميتافيزيقا والأخلاق من جهة أخرى، إحدى الخطوات الأساسية للمساهمة في ترشيد وتوجيه سهام النقد والتجديد. إن إرجاع جوهر الدين إلى التجربة الدينية، بما تحمله من تعلق مباشر بالله، هو استعادة للدين كمنهل لإرواء الظمأ الأنطولوجي، كما سماه عبد الجبار الرفاعي، ومنبع لإثراء الحياة الروحية. لقد ساهم شلايرماخر في إعادة تنظيم للعلاقة بين أنماط الوجود الإنساني، وفتح آفاقا لاستشعار الحضور الإلهي أثناء الفعل والفكر. وهو ما يجعل التجربة الدينية مصدرا وأساسا لفهم وتأويل الفعل الإنساني. وبدونها تغذو الطقوس والعبادات والتضحيات عادات اجتماعية تساهم في التماسك الاجتماعي، والمحافظة على بنياته فقط.

وقد استند رودلف أوتو Rudolf Otto (1869-  ) على تعريف شلايرماخر للدين كإحساس مباشر بالمطلق لإنجاز عمله الفريد «فكرة القدسي 1917» الذي ترجم إلى أكثر من عشرين لغة. واعتبر فيه أن الدين، في أغلب المجتمعات، عبارة عن خوف ورهبة ورغبة وانبهار وعظمة، أكثر من علاقة خالق ومخلوق بالمحبة والرحمة والثقة. كما أن الأبحاث في فلسفة الدين، اليوم، لا تنفك تعود إلى معقولية التجربة الدينية لتأسيس التعددية الدينية. فلا تجربة قادرة على استنفاد الكلي، لأن كل الذوات متناهية معرفيا وأخلاقيا وزمنيا، وهو ما يجعل التجارب مشروطة بسياقها وآفقها.

 هذا يعني ان المعرفة الممكنة بالله هي معرفة ذات طبيعة علائقية، بمعنى معرفة الله في وضعية اتصال الله بنا أو معرفته في اتصالنا به، مع بقاء الله بما هو في ذاته محتجبا عن المعرفة، ويعلو على اية تسمية أو وصف. ” تعالى الله عما يصفون”. وكون معرفتنا بالله ليست معرفة مباشرة ، بل هي التصور الذي يتولد في الذهن بعد تفسير جملة معطيات باطنية واحاسيس خارجية، فان معرفتنا بالله مسبوقة بقوالب ادراكية وبنى لغوية جاهزة، تكون بمثابة الماقبل المعرفي في تصنيف المعطيات ومنحها المعنى والدلالة المناسبتين. فما نقوله عن الله هو في الحقيقة حصيلة النشاط الذهني الذي يتولد إثر التجارب الدينية، التي تتحصل اما بتوسط البيئة الحسية كالأشياء والاحداث والنشاطات الانسانية في العالم، واما باتصال مباشر كما يحصل للأنبياء بالوحي وللمتصوفة والعارفين بالكشف. بعبارة اخرى المعطى الالهي حسي واختباري، اما المعنى الالهي فهو المعنى البشري الذي ننسبه نحن البشر الى الحقيقة العليا في سياق النشاط الذهني لتفسير المعطيات التي تصلنا او نحصلها عنه، وحيا كان ام كشفا او حسا.

بهذا تصبح المسألة المعرفية مرتبطة بالبحث في القوالب الادراكية التي نفهم بها المعطيات الخارجية ونفسرها كتجارب دينية في معرفة الله. وبتعبير كانطي، المسألة هي البحث في شروط امكان معرفة الله. ونروم المساهمة في خلق وعي بالتعددية الدينية، بالبحث في شروط امكان الإيمان بالله، وفي كيفية ازالة العوائق التاريخية التي تحول دون انفتاح الانسان عن الله.

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع بالفرنسية والإنجليزية:

  1. Bréhier, Emile. histoire de la philosophie, tome 5. Cérès, 1994.
  2. Bruch, Jean-Louis. la philosophie religieuse de Kant. Aubier/Montaigne, 1968.
  3. Copleston, Frederick, S.J. A History of Philosophy, vol. IV, Modern Philosophy: From Descartes to Leibniz. Doubleday, 1994, New York.
  4. Copleston, Frederick, S.J. A History of Philosophy, vol. VI, Modern Philosophy: From the French Enlightenment to Kant. Doubleday, 1994, New York.
  5. Copleston, Frederick, S.J. A History of Philosophy, vol. VII, Modern Philosophy: From the Post-Kantian Idealists to Marx, Kierkegaard, Nietzsche. Doubleday, 1994, New York.
  6. conception du Monde et l’analyse de l’homme depuis la Renaissance et la Réforme, œuvre 4, trad. Fr. Fabienne Balaise. Cerf, “passager”, 1993, Paris.
  7. Démange, Pierre. l’essence de la religion selon Schleiermacher. Beauchesne, 1991, Paris.
  8. Eisler, Rudolf. Kant-Lexicon, I, trad. Anne-Dominique Balmès et Pierre Osmo. Galimard, 1994.
  9. Greisch, Jean. le buisson ardent et les lumières de la raison, vers un paradigme herméneutique. Philosophie et Théologie. Cerf, 2004, Paris.
  • Gusdorf, George. le Romantisme, Tome 1. Payot et Rivages, 1993, Paris.
  • Jaspers, David. The Interpretation of Belief: Coleridge, Schleiermacher, Romanticism. First published. Macmillan, 1986, London.
  • la religion dans les limites de la simple raison, trad, M. Naar. Vrin, 2004.
  • Marina, Jaqueline. Transformation of the Self in the Thought of Schleiermacher. First published. Oxford University Press, 2008, Oxford.
  • Nef, Frédéric. qu’est-ce que la méthaphysique. Gallimard, 2004.
  • Schleiermacher, E.D. Lectures on Philosophical Ethics, translated by Louise Adey Huish. Cambridge University Press, 2002.
  • Schleiermacher, F.D. De la religion, Discours aux personnes cultivées d’entre ses mépriseurs, Paris, trad.fr. Bernard Reymond. Van Diern, 2004.
  • Schleiermacher, F.D. Dialectique pour une logique de la vérité, trad. fr. Christian Berner et Denis Thouard. Cerf, Labor et Fides, Presse de l’Université de Laval, Passage; 1997, Paris, Laval, Genève.
  • Schleiermacher, F.D. DISCOURS SUR LA RELIGION à ceux de ses contempteurs qui sont des esprits cultivés, Paris; trad.fr.I.-J.Rouge. Aubier/Montaigne, 1944.
  • Schleiermacher, F.D. Ethique, le brouillon sur l’ éthique de 1805-1806 avec des notes prises à ses cours par AUGUST Boeckh, trad. CHRISTIAN Bernar. Cerf, passage, 2003, Paris.
  • Schleiermacher, F.D. Herméneutique, trad. fr. Christian Berner. Cerf, passage opuscule, 1989, Paris, Lille.
  • Schleiermacher, F.D. The Christian Faith, Third Edition. BLOOMSBURY, 2016, Oxford, London.
  • Schleiermacher and Paul T.Nimmo. The Christian Faith, Third Edition. Bloomsbury, 2016, Oxford.
  • Schleiermacher, Esthétique, trad. Christian Berner, Denis Thouard. CERF, 2004.
  • Schleiermacher, Ethique, le Brouillon sur l’éthique de 1805-1806, tard, Christian Berner. Cerf, 2003, Paris.
  • Simon, M. la philosophie de la religion dans l’oeuvre de Schleiermacher. Vrin, 1979, Paris.

لائحة المراجع بالعربية:

  1. عبد الجبار الرفاعي، موسوعة فلسفة الدين -2، الإيمان والتجربة الدينية، ط1، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2015، بيروت، لبنان.
  2. فويرباخ لودفينغ، جوهر المسيحية، ترجمة جورج برشين، ط1، دار الرافدين وأوبوس، 2016، لبنان، كندا.
  3. هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة د. امام عبد الفتاح امام، دار التنوير، بيروت، 1983، ط1، دار الثقافة بالقاهرة 1985.
  4. ولتر ستيس، الزمان والأزل: مقال في فلسفة الدين، ترجمة د. زكرياء إبراهيم، المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.

العنوان الالكتروني: benlamkaddemmohammed@gmail.com

[1]* محمد بن المقدم: أستاذ فلسفة الدين والفلسفة السياسية، عضو مختبر إقلاع للقانون، الفلسفة والمجتمع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس.

 . استطاعت الثيولوجيا الفلسفية، أن تسيطر على الفكر الأوربي إلى حدود القرن الرابع عشر. فكانت هي روح سيادة الكنيسة، لكن في القرن الخامس عشر والسادس عشر« تم هدم كل النسق الثيولوجي والميتافيزيقي المترابط مع النظام الاجتماعي الديني والفيودالي للعصر الوسيط. هدمته الحركة الإنسية والإصلاحية دون أن يسفر ذلك عن توحيد المجتمع سياسيا ولا دينيا، بل ترتب عن ذلك تمزق أوربا إلى فرق وطوائف وحروب دينية ». وكرد فعل على حالة التمزق والتشتت الطائفي والاجتماعي، للقرن السابع عشر، نشأ نظام/نسق علمي، قدّم مبادئ كونية غايتها إخراج المجتمع من محنته. وقد تجلى حضور هذا النسق العلمي في كل مجالات الحياة: الحق الطبيعي، الأخلاق، الفن، الاقتصاد، الثيولوجيا الطبيعية. وقد ساهم هذ النسق العلمي في تغيير ملامح الحياة في أوربا القرنين السابع عشر والثامن عشر. أنظر:

Dilthey, conception du Monde et l’analyse de l’homme depuis la Renaissance et la Réforme, œuvre 4, p. 101. trad. Fr. Fabienne Balaise, Cerf, ” passager ” Paris, 1993.

[2] .  بليز باسكال (1623-1662) فيلسوف، ورياضي وفيزيائي فرنسي، تعرض للتجربة الروحية سنة 1654، وسجلها في كتابه «مذكرة»،  وهي تجربة أعطته معرفة جديدة بالإله الشخصي  وبمكانة المسيح.  ودافع عن القيم والمثل المسيحية، بكل شدة، في كتابه الشهير الرسائل الإقليمية. أنظر،

.  Copleston, Frederick, S.J, A history of philosophy, vol Ⅳ, Modern Philosophy: from Descartes to Leibniz,  p.155, published by Doubleday, 1994, New York.

[3] . سرن أباي كيركجورد (1813- 1855)،  له كتاب «إما – أو»، وهو عنوان على موقفه من الحياة، وكتاب «أحاديث مسيحية»، وكان يرى ضرورة تعديل المسيحية إلى نزعة إنسانية أخلاقية مع قليل من المعتقدات الدينية التي لاتسيء إلى رقة شعور المربي. أنظر:

.  Copleston, Frederick, S.J, A history of philosophy, vol.Ⅶ , Modern Philosophy: from the The post-kantian Idealists to Marx, Kierkegaard, Nietzsche,  p.339, published by Doubleday, 1994, New York.

[4] . كان  Sigimund von Storchnenaun يدرس المنطق والميتافيزيقا في فيينا، ويعارض بشدة نزعة الألوهية  Deisme. وقد نشر كتاب فلسفة الدين سنة 1772م.  وصلت أجزاؤه إلى سبعة. ورغم عنوان الكتاب إلا أن مضمونه ظل وفيا لمضامين الثيولوجيا الطبيعية بطابعها الجدلي المدافع عن عقائد المذهب المسيحي الكاثوليكي.  إيجاد الصورة الفلسفية الحقيقية لهذا المجال، ارتبطت بالفيلسوف الألماني كارل راينولد Karl Reinhold

في كتاب له يحمل اسم رسائل حول فلسفة كانط،(1786-1787). أنظر: Greisch, Jean, le buisson ardent et les lumières de la raison, vers un paradigme herméneutique, Philosophie et Théologie, Paris, Cerf, 2004.

[5] .  Marianna, Simon, la philosophie de la religion dans l’oeuvre de Schleiermacher, p.10, Paris, Vrin, 1979.

[6] . التحق شلايرماخر بحلقة الرومانسية  الألمانية مابين 1795-1802، في برلين. ضمت إضافة للأخوين A.W. and Friedrich Schlegel ، كلا من Dorothea Veit, Henriette Herz.. ومنذ التحاقه بالرومانسية الألمانية، تعددت أوجه حضوره، عبر تاريخ الأفكار، فهو أب الثيولوجيا الليبرالية، ومؤسس الهيرمينوطيقا الحديثة، ومترجم محاورات أفلاطون للألمانية، وعضو مؤسس لجامعة برلين سنة 1809 م، بمعية ويلهيم فون هامبولدت Wilhelm Von Humboldt، والمدافع المبكر عن الحقوق المدنية للنساء واليهود.  أنظر، Schleiermacher, E, D, lectures on philosophical ethics, p. ⅶ, translated by Louise Adey Huish, Cambridge University Press, 2002.

[7] .    عنوان الكتاب بالألمانية هو: UBER DIE RELIGION, Reden An Die Gebildeten Unter Ihern Veràchten

وهو كتاب شلايرماخر الوحيد الذي ترجم إلى اللغة العربية مؤخرا، من طرف أسامة الشحماني، سنة 2017، ونشرته دار التنوير.

وقد ترجم إلى اللغة الفرنسية مرتين، الأولى سنة 1944، والثانية سنة 2004:

  • Schleiermacher, Discours sur la religion sur la religion à ceux de ses contempteurs qui sont des esprits cultivés, paris, Aubier – Montaigne, « Bibliothèque philosophique » trad. Fr.I.J. Rouge, 1944.
  • Schleiermacher, De la religion, Discours sur la religion aux personnes cultivés d’entre ses mépriseurs trad. Fr. Bernard Reymond,Van Dieren, 2004.

[8] . David Jaspers, The interpretation of belief, p.104, Coleridge, Schleiermacher, Romanticism, First published, 1986, Macmillan, London.

[9]  – Discours sur la religion sur la religion, p 146.

[10]  – Schleiermacher, Discours sur la religion sur la religion, p.146.

[11]  . بعد شلايرماخر سيقوم بول ريكور بوضع الدين بين اليوتوبيا والإيديولوجيا، وسيضع جون غرايش، المقاربة الدينية مقابل المقاربة الأخلاقية، عند قراءته لهيدغر.

[12] – Schleiermacher, Discours sur la religion, p. 145.

[13] –  Discours sur la religion, p. 151.

[14]  – Ibid, p.151.

[15]  – Ibid, p.154.

[16]  –  Discours sur la religion, p.191.

[17] . ذهب هيغل، وهو زميل شلايرماخر بجامعة برلين، إلى أن« الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون له دين، وأن الحيوانات تفتقر إلى الدين بمقدار ما تفتقر إلى القانون والأخلاق». هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، ص ص، 47-48، ترجمة د. امام عبد الفتاح امام، دار التنوير، بيروت، 1983، ط1، دار الثقافة بالقاهرة 1985.

[18] .  ولتر ستيس، الزمان والأزل: مقال في فلسفة الدين، ص. 45، ترجمة د. زكرياء إبراهيم، المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.

[19] .  Nef, Frédéric, qu’est-ce que la méthaphysique, p.194, Gallimard, 2004

[20] . Greisch Jean, le buissent ardent, pp. 37-38. «La constitution onto – Théo – logique de la métaphysique», Questions Í, Paris, Gallimard, 1968, p. 277-308.

[21] . Marina, Jacqueline, The Cambridge companion to  Friedrich Schleiermacher, p.1,  Cambridge University Press, 2005.

[22] . Bruch, Jean-Louis, la philosophie religieuse de Kant, p.13.

[23] . Kant, la religion dans les limites de la simple raison, p.67.

[24] . كانط، نقد العقل العملي، ص. 153-154، ط2، ص. 42. أوردها د. بدوي، في الأخلاق عند كانط، وكالة المطبوعات، 1979، الكويت.

[25] . Kant, la religion dans les limites de la simple raison, p. 70.

[26]  –  Discours sur la religion, p.151.

[27]  –  Ibid, p.130.

[28] . لا تهمنا هنا هوية الذبيح هل هو إسحاق ابن سارة حسب التوراة وبعض المفسرين المسلمين، أم هو إسماعيل ابن هاجر، حسب رواية مفسرين مسلمين آخرين. فالاختلاف بين التراث العبري والرواية الإسلامية لا يغير كثيرا في مغزى ورسالة التجربة. (أنظر: القرآن، الصافات الآية: 102؛ سفر التكوين، الإصحاح 22، الآية 12، قال: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي»). ولكن هدفنا هنا فهم كيف تؤثر زاوية النظر في دلالة التجربة وأبعادها. فإضافة للتأويل أعلاه، يمكن تأويلها بحسب تاريخ الطقوس الدينية، كتأريخ لانتقال الإنسان من طقوس التضحية بالبشر إلى الأضاحي الحيوانية.  ويمكن قراءتها استنادا إلى سيكولوجيا الأديان، باعتبارها   تعبير رمزي عن تحقيق لرغبة في اللاوعي الجمعي عن إنقاذ الجنس البشري بحكم رمزية نسل إبراهيم ومنزلته الأبوية، ومنزلة الحيوان كإمكان لإنقاذ الإنسان في تجارب وجودية مختلفة، الموت والأمراض النفسية اليوم.

[29]  –  Discours sur la religion, p.192.

[30] . عبد الجبار الرفاعي، موسوعة فلسفة الدين -2، الإيمان والتجربة الدينية، ص. 11، ط1، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2015، بيروت، لبنان.

[31] .  Schleiermacher, Esthétique, trad. Christian Berner, Denis Thouard, CERF, 2004.

هذه التجربة الدينية من جنس التجربة الإستطيقية، حيث يغذو الفن تعبير عن الإحساس الفردي من خلال عمل الخيال  Fantasie. ومعلوم أن شلايرماخر ألقى دروسا في الجماليات سنة 1819، وأضيفت لمخطوطة هذه الدروس نقط نقدية ومحاضرات أكاديمية حول مفهوم الجميل لسنوات 1821 و1832. وحسب شلايرماخر فإن كل الناس فنانون. في اختلاف عن جماليات هيغل وشيلينغ اللذان يمكن وضعهما ضمن مسار «poétique» «في الشعر» لأرسطو، ونقد ملكة الحكم لكانط. أما استطيفا شلايرماخر، التي مثلت الرومانسية الألمانية أفضل تمثيل، فقد ركزت على الإحساس الفردي المتجلي في أعمال الخيال.

[32] . Marina, Jaqueline, Transformation of the self in the thought of Schleiermacher, p.221,  first published, 2008, Oxford.

[33]. Schleiermacher, De la religion, p. 40

[34] Discours sur la religion, p.162..

[35] . Schleiermacher, D. E, Dialectique pour une logique de la vérité, p. 186, trad.  Christian Berner et Denis Thouard, Paris, Laval, Genève, Cerf, Labor et Fides, Presse de l’Université de Laval, Passage, 1997.

[36] . Rudolf Eisler, Kant-Lexicon, I, pp. 40-45, trad, Anne-Dominique Balmès et Pierre Osmo, Galimard, 1994.

[37] . Discours sur la religion, p.111.

[38] . Ibid, p.. 161

[39] . Ibid, p 154.

[40] . Ibid, p 154.

[41] – Discours sur la religion, 157.

[42] – De la religion, p. 32.

[43] .Schleiermacher, F.D, The Christian Faith, p.131, Third Edition, BLOOMSBURY, London, Oxford, New York, New Delhi, SYDNY, 2016.

[44] . Schleiermacher, Dialectique, p. 31

[45] . Discours sur la religion, p.57.

[46] . Schleiermacher, Dialectique, p.187.

[47] . Marianna Simon,  la philosophie de la religion dans l’oeuvre de Schleiermacher, p.131, Paris, Vrin, 1979.

[48] . Demange Pierre, l’essence de la religion selon Schleiermacher, p.63, Paris, Beauchesne, 1991.

[49] .  Copleston, Frederick, S.J, A history of philosophy, vol. Ⅵ, Modern Philosophy: from the French Enlightenment to Kant,  p.125, published by Doubleday, 1994, New York.

[50] . S. Marianna,  la philosophie de la religion dans l’oeuvre de Schleiermacher,  p. 142.

[51] .من أهم أفكار جاكوبي في هذا المجال، هو دفاعه عن استحالة الدين العقلي وضرورة الإيمان. واعتبار كل محاولة لعقلنة الدين تؤول نتيجتها إلى الإلحاد أو اسبينوزية أي وحدة الوجود.  أنظر:

 Emile Bréhier, histoire de la philosophie, tome 5, p.221, Cérès, 1994.

[52] . K. Barth(1886-1968م), in théologie und Kriche, mystik und Kultur, p. 188. cité par M. Simon, la philosophie de la religion dans l’oeuvre de Schleiermacher, pp.318,319.

[53].  Feuerbach Ludwing, l’essence du christianisme. La première édition de l’ouvrage date de 1841, bientôt suivie, du vivant même de l’auteur, par deux rééditions en 1843 et 1849. Cité par Greisch Jean, dans le buisson ardent, p.480.

[54] . Schleiermacher and Paul T.Nimmo, The Christian Faith, p.131, third Edition, Bloomsbury, Oxford, 2016.

[55] .  Pierre Démange, l’essence de la religion selon Schleiermacher, pp.235-236.

[56] .  Démange Pierre, l’essence de la religion selon Schleiermacher, pp. 235-236.

[57] .Schleiermacher, D. E, Dialectique pour une logique de la vérité, p. 186.

[58] . فويرباخ لودفينغ، جوهر المسيحية،  ص.66، ترجمة جورج برشين، ط1، دار الرافدين وأوبوس، 2016، لبنان، كندا.

[59]  –  Discours sur la religion, p.152.

[60]  –  Ibid, p.49.

[61] . F. Schlegel, Idée, Fragment 41, cité par, George Gusdorf, le Romantisme, Tome 1, p.47.  Paris, Payot et Rivages, 1993 .

مشاهده بیشتر
زر الذهاب إلى الأعلى