بسم الله الرحمن الرحيم
◊
ما هي الاسباب لنشوء ظاهرة التطرف والارهاب وهل لابن تيمية علاقة بهذه الظاهرة ؟
إن ما يشهده العالم اليوم من صراعات تأخذ عناوين شتى، منها السياسي والفكري والديني والثقافي والاقتصادي، إنما تنطلق من منطلق واحد في الحقيقة وهو إرادة السيطرة ومهما حاول الإنسان أن يخفي الهدف الحقيقي إلا أن ذلك لا يلبث أن يظهر من خلال ما تتكشف عنه الأيام والأحداث ،فصراع الحضارات والعمل من أجل نشر الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والتنمية عناوين حضارية براقة تخاض باسمها الحروب وتقتل الشعوب وتستباح البلدان وتسقط الأنظمة وتحتل الأراضي وذلك كله تحت سمع العالم وبصره بل وبدعمه وتأييده والمبرر الأبرز هو حفظ المصالح ، الأمر الذي ساهم في نشأة التطرف والإرهاب
ولعل الظاهرة الأخطر التي لعبت دورا كبيرا في تأسيس الارهاب هي التي ظهرت نتيجة الجهل بالدين ظاهرة ارتكاز فكر الإرهاب النظري على الشرع والتقاط شرعيته من وحي التشريع الإسلامي ومصادره الرئيسية المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة واعتبار العنف والإرهاب نظرية مشروعة في المنظور الإسلامي تحت خانة الجهاد في سبيل الله والدفاع عن النفس ومقارعة الطغاة والمستكبرين ، لذا نجد البعض يدعو إلى القتل وإباحة الدماء لمن يعتبره- من وجهة نظره- كافرا أو فاسقا ، ولو أمعنا النظر قليلا فسنجد أن ابن تيمية كان له اليد الطولى في نشوء هذا الفكر فقد استطاع في الواقع من خلال فتاويه أن يلعب دوراً فعّالاً في الأحداث التي وقعت في العالم الإسلامي، و خصوصاً في القرن الأخير. فمن خلال التوليفة التي صنعها و المكوّنة من مجموعة من المبادئ السلفية كانفتاح باب الاجتهاد الذي يتماشى مع الهوى و الترويج للظاهرية و مخالفته للعقل و المنطق، و عَبر طريقته المتشدّدة في بعض المعارف العقائدية للسّلف ـ بزعمه ـ مثل التوحيد و الشّرك، ثمّ حصر مسألة التوحيد في المنحى العباديّ و ازدياد وتيرة التكفير إلى جانب محاولاته للرّبط بين معتقداته المتطرفة و بين علم السياسة بهدف مواجهة مُخالفيه و المعارضين لأفكاره و آرائه (لا سيّما منهم اتباع اهل البيت )، كلّ ذلك أفرز اتّجاهاً انفعالياً ـ ونزعة راديكاليّة في الوقت نفسه ـ تجاه مُخالفيه. و على مرّ القرون استطاع بعض الأفراد من أمثال محمّد بن عبد الوهاب و ثلّة من قادة التيارات التكفيرية في عصرنا الحديث، استطاعوا استثمار آراء ابن تيمية المتطرّفة و أساليبه التكفيرية و استغلالها بدقّة من أجل تحقيق أغراضهم و على رأسها جَرّ العالم الإسلامي و المسلمين إلى هاوية العنف و الإرهاب و التقتيل، و الدليل على هذا الكلام هو ما نشهده هذه الأيام من الجرائم البشعة التي تُرتَكب باسم الإسلام في مختلف المناطق في العالم الإسلامي كسورية و العراق و أفغانستان و الباكستان و الصومال و غيرها من الأصقاع الأخرى
البعض يرى أن الجماعات التكفيرية تحمل فكر الخوارج ولا علاقة لابن تيمية في بروز هذه الجماعات فما رأيكم ؟
حقيقة أن العامل الرئيسي الذي تسبّب في بروز الجماعات التكفيرية في عصرنا هذا ليس الفكر المتطرّف لفرقة الخوارج الذين عُرفوا في تاريخ الإسلام بالفرقة التكفيرية المتطرّفة والذين يحاول الوهابيون اليوم إعلان البراءة منهم ، بل هي الأفكار و الآراء المنبثقة عن آراء ابن تيمية، فنحن لا يتسنّى لنا سوى اعتبار آراء ابن تيمية المصدر الأساسيّ للإلهام الفكريّ لدى الجماعات السلفية عموماً و كذلك ما قام به محمّد بن عبد الوهاب كأنموذج عمليّ للجماعات السلفية و الوهابية المتطرّفة بشكل خاصّ ، ولعل ما يثبت ذلك على سبيل المثال بعض التسجيلات التي عرضتها تنظيم الدولة الإسلامية والتي استشهاد معديه بفتوى لابن تيمية، الذي مازال بعد قرون على وفاته أحد أبرز المراجع الفكرية للحركات الجهادية حيث جاء في التسجيل “ فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي التَّمْثِيلِ الشَّائِعِ دُعَاءٌ لَهُمْ إلَى الْإِيمَانِ ، أَوْ زَجْرٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ” فهذه احدى فتاويه التي استندت عليها الجماعات التكفيرية في عملياتها التي كانت تقوم بها بتشويه الجثث والتمثيل بها ، كما نجد أن ما تقوم به هذه الجماعات من قتل للأبرياء في المراقد المقدسة مستند على فتوى ابن تيمية ولا يستغرب من ذلك فالناظر إلى مبادئ المنهجية التي أسّسها ابن تيمية يجده قد استند إلى النّقل و مبادئ علم المعرفة التي تتّكئ على الاعتماد على الحديث و محاربة العقلانية، الأمر الذي أدّى إلى حصره للمبادئ العقائدية الخاصة بباب التوحيد بالتوحيد العباديّ و بالتالي اعتبار الكثير من الأعمال التي يؤدّيها المسلمون ـ مثل التوسّل و الشفاعة و التبرّك و ما شابهها ـ شركاً محضاً، ثمّ الحكم بقتل هؤلاء المسلمين و ذبحهم وفقاً لفتوى متطرّفة و ذلك لمجرّد توسّل هؤلاء المسلمين بقبر النبيّ و اللوذ به و بقبور الأولياء و الصالحين و طلب الحاجة منهم ، و لقد أدّت هذه السلسلة من أفكار ابن تيمية و آرائه إلى ظهور موجة من التطرّف في تكفير المسلمين بشكل عامّ ممّن يقومون بزيارة قبر رسول الله بحيث قام محمّد بن عبد الوهاب مستعيناً بسلفه ابن تيمية و آرائه إلى اعتبار جميع المسلمين الذين يتوسّلون بالأنبياء أو الأولياء الصالحين، مشركين و كافرين، و أحلّ سفك دمائهم و نهب أموالهم و في كتابه المسمّى (كشف الشبهات) قام ابن عبد الوهاب باتّهام المسلمين في أكثر من أربع و عشرين موضعاً بالشّرك و تسميتهم بالكفّار و المرتدّين و المنافقين في حوالي خمس و عشرين موضعاً فيه
لماذا نجد سيرة ابن تيمية في القرنين الاخيرين عادت إلى الحياة من جديد ؟
حينما استولت القوى الإستعمارية الغادرة على الوطن الإسلامي الكبير ومزقته إلى دويلات خاضعة لنفوذه لا تتمكن على حماية نفسها ولا تستطيع الحصول على استقلالها ،كونه قدربطها بعجلته وسيرها تحت إرادته ،وذلك بهدف القضاء على أصالة المسلمين وقوتهم ،اتجه بجميع طاقاته ووسائله إلى محاربة الوعي الإسلامي وما ذلك إلا لكون الاستعمار قد أدرك أن أساس القوة التي يتمتع بها العالم الإسلامي في أثناء حروبه وصموده وفتوحاته تتمثل في عقيدته الأصيلة التي تأبي الضيم والذل والعبودية ،فوضع الخطط والنظم إلى محاربة الوعي الإسلامي وإلى اجتذاذ أنواره من النفوس ، ولقد أدرك الاستعمار أن ارتباط الامة بالثقل الثاني المتمثل بأهل البيت عليهم السلام سيحول دون تحقيق أهدافه فعمد إلى التفتيش بين صفحات التاريخ عن شخصية تلعب دور سامري هذه الامة الذي يبرع في أداء دوره فتكون النتيجة تراجع حقيقي عن دين الله ، وانخراط في ضلالة السامري ،فلم يجدوا أفضل من ابن تيمية الذي يفوح من كتاباته رائحة النصب والعداء لأهل البيت عليهم السلام وكذا الجرأة على رسول الله حيث نجده قد اختلق من الأكاذيب والتأويلات الفاسدة على النبي ما لا يمكن حصره، من ذلك على سبيل المثال
قوله: إنَّ الحزن على رسول الله لا فائدة فيه. ونفيهِ سؤال النبيّ والاستعانة به فى حال حياته، وهو قول لم يقله أحد من قبله، ويحاول إظهار النبي كأنّه بشر عادي،وينكِر بركة النبيّ على أهل بيته ومَن تزوج منه وعلى ذريته وعلى أصهاره، متجاهلًا الآيات والأحاديث الواردة فى بركة النبيّ على أهل بيته وذريته الذين يصلّي عليهم المسلمون. ، وأما فيما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام فنجده قد غمز السيدة فاطمة والإمام عليّ فى منهاجه، بقوله: (فلو قدّر أنّ أبا بكر وعمر كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما، وتمادى في كلامه، فقال: إنّ عليًّا وفاطمة ونحوهما لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بلْ جزعوا وفرّقوا الجماعة. ويضيف: هذه معصية عظيمة) حتى السيدة خديجة لم تسلم من قدحه حيث نجده يقول فى منهاجه: (وهؤلاء يقولون قول النبي لخديجة: «ما أبدلني الله بخير منها» إنْ صحَّ معناه ما أبدلني بخير لي منها؛ لأنَّ خديجة نفعته فى أول الإسلام نفعًا لم يقم غيرها فيه مقامها، فكانت خيراً له من هذا الوجه لكونها نفعته وقت الحاجة، لكن عائشة صحبته فى آخِر النبوة وكمال الدين، فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن يدرك إلاَّ أول زمن النبوة، فخديجة كان خيرها مقصورًا على نفس النبيّ لم تبغِ منه شيئاً ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعت بعائشة) كما لم يسلم أئمة اهل البيت من لسانه السليط وجرأته على الله ورسوله ، فكان الشخصية المناسبة التى يستطيع الاستعمار من خلالها من ملأ أفق الساحة الاسلامية بالضياع الفكري ويعمل من خلالها على فصل الامة عن مضمون الرسالة واختلاق مذاهب فكرية منحرفة تسهم في تنويع أشكال النزاع بين أفراد الامة الاسلامية وتعميمها ،ولذلك تم احياء ذكر ابن تيمية مجددا وجعل كتابه مجموع الفتاوي والذي اشتهر بفتاويه التكفيرية في أكثر من 900 مسألة سفرًا مقدسًا عند الوهابية منذ ظهورها الأول بشكل مطبوع في القرن 20م، وعلى شكل رقائق ومجلدات وقصاصات متفرقة في حوزة فقهاء الوهابية قبل هذا الزمن، وهنا لابد من التنويه في ان من ضمن اسباب اختيار الاستعمار لابن تيميه هو علاقته مع اليهود حيث يقول الشيخ محمد زاهد الكوثري العالم المحدث و أمين المشيخة في الدولة العثمانية: «ولوْ قلنا لم يُبلَ الإسلامُ في الأدوار الأخيرة بمن هو أضرّ من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لَمَا كنَّا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود، يقول عن كُتبهم: إنّها لم تُحرَّف تحريفاً لفظياً».
ولذلك لا نستغرب من كون الجماعات التكفيرية اليوم الحاملة لفكر ابن تيمية لم تحرك ساكنا أمام المجازر التي يقوم بها الكيان الصهويني في غزة بل على العكس نجد أن البيان الوحيد الذي صدر منهم بعد عملية طوفان الاقصى هو التهديد والوعيد لحركة حماس وتوعدهم بالذبح والسحل وسبي النساء والاطفال ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

