تقريرالويبينار؛التساؤلات الفكرية والثقافية لملحمة طوفان الأقصى
بعد الترحيب بالحضور والمتدخلين من طرف رئيس الاتحاد العالمي للأساتذة الجامعيين الدكتور عباس كنعان الذي ذكر أيضا بفلسفة وأهداف الاتحاد.
ابتداءا افاد الدكتور عادل بودان بكلمة أبرز من خلالها محورية القضية الفلسطينية عند المسلمين رغم تخاذل البعض في نصرة هذه القضية بسبب التزييف الذي تمارسه الآلة الإعلامية المرتبطة بالأجندات الصهيونية لتحريف الوعي العربي والإسلامي، كما سلط الضوء باقتضاب على ممارسات هذا الكيان المجرم في غزة والتي باتت تصنف ضمن الإبادة الجماعية أمام صمت المجتمع الدولي والعربي.
قال البروفسور فرح موسى في مداخلته عند إشكال الديانة اليهودية التي تنظر باستعلاء إلى أتباع الأديان الأخرى وتناصب في جوهرها العداء إلى أتباع الأديان الأخرى خصوصا من المسلمين، حيث أشار القرآن إلى هذه العداوة من خلال قوله تعالى في سورة المائدة-الآية 82:) “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا”،) وإلى حرصهم على الحياة في قوله تعالى في سورة البقرة-الآية96: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة”.) وهو ماتكرسه النصوص القديمة لهذه الديانة العنصرية خصوصا تفاسير التلميذ وبروتوكولات حكماء صهيون، حيث أن الصهيونية لاتخرج في رؤيتها عن هذا الموروث الإقصائي الدموي.
صرح البروفسور محمد بن المقدم : بأن عملية طوفان الأقصى قد أعادت البوصلة إلى فلسطين، ومزقت الحجب التي وضعتها الصهيونية أمام شعوب العالم وخصوصا منها العربية التي تم استلابها من خلال ترويج إسرائيل لدور الضحية من خلال سردية الهولوكوست، عبر الاشتغال على الذاكرة والتاريخ وتمريرها عبر الكتب ووسائل الإعلام (تشبيه رئيس دولة الكيان الصهيوني هجوم حماس على غلاف غزة بالمحرقة) حيث بات مطلوبا من النخب المثقفة في العالم الإسلامي الاشتغال على سردية مناوئة لهذه السردية لفضحها من خلال إبراز همجية الاحتلال في سرقة الأرض وتهجير الشعب الفلسطيني.
و قد اکمل البروفوسور مقدم بان :من جانب آخر، فإن الغرب قد بات متناقضا في موافقه بين دعم أوكرانيا ضد الغزو الروسي، وغضهم الطرف عن همجية الكيان الصهيوني في اجتياح غزة وممارسة الإبادة الجماعية..وإن خرجت الشعوب الأوروبية مؤخرا تندد بمجازر الكيان الأخيرة في غزة، حيث بات الكيان اليوم أقرب إلى فقد دور الضحية الذي تقمصه لعقود، وهو أخطر شيء وقع له في هذه الحرب، بل أقسى من هزيمته العسكرية..خاصة بعد مبادرة جنوب افريقيا إلى فضح همجية هذا الكيان أمام أنظار العالم بعد تقدمها بدعوة ضد اسرائيل لارتكابها مجازر إبادة جماعية شد الشعب الفلسطيني أمام محكمة الجنايات الدولية.
وتاريخيا، أشار الأستاذ بن المقدم بأن اليهود لم يندمجوا في نسيج الدول الغربية الناشئة بالشكل المطلوب، لذلك خلقوا مشكلات لهذه الدول التي ارتأت أن تتخلص منهم..ولذلك كان دعم اليهود ولايزال يأتي من جانبين؛
الجانب العلماني الذي تمثله أغلب الدول الغربية من جهة، ثم من الجانب الصهيوني من جهة أخرى.
على المستوى الإعلامي تم الترويج لما سمي بالشعب اليهودي، وهو مفهوم حديث تم بناؤه سرديا على مستوى التاريخ والأنساب والذاكرة من طرف المؤرخين والمثقفين. كما تم تشكيل بنية مشروع الدولة اليهودية الاقتصادية الاجتماعية من طرف قوى خارجية حسب أبراهام ليون الذي يشير إلى أن اليهود يشكلون أمة غير تاريخية، وبأن هناك قوى خارجية ساهمت في تشكيل هذا الشعب.
كما يوافقه شلوموساند في هذا الطرح، فيقول أيضا بفكرة اختراع الشعب اليهودي، هذه العملية التي تمت في القرن التاسع عشر بتلفيق وجود أصل وحيد لهذا الشعب.
وقد نفى شلوموساند مايسمى بالشتات اليهودي الذي تسبب به الرومان حسب الرواية اليهودية بعد تدمير الهيكل في أورشليم أي القدس، حيث يؤيد موقفه هذا بحيرة الحركة الصهيونية في البحث عن وطن بديل لليهود، إذ وضعت مقترحات أخرى على الطاولة بجانب فلسطين من طرف آباء الحركة الصهيونية من بينها الأرجنتين وجنوب افريقيا..كما يدحض أيضا أكذوبة عدم ممارسة اليهود للتبشير..
وقد تساءل البروفسور عن السر في عدم تحول اسرائيل إلى جمهورية علمانية بحدود واضحة..
في نفس السياق اکمل: كتاب السؤال اليهودي، الذي يشرح كيف وجدت فرنسا نفسها متورطة بالسردية اليهودية..وهو ما يحيل على أن هناك تعاون بين الدول الإستعمارية من أجل خلق دولة قومية في الشرق الأوسط لخدمة أهدافهم الإمبريالية من جهة، ومصالحهم الاقتصادية من جهة أخرى.
هكذا، فإن القيادات الصهيونية الأولى حسب نظر بروفسور لم يكونوا متدينين بل كانوا فقط يستغلون الخطاب الديني لتوطين اليهود في أرض خارج أوروبا، حيث يقر هرتزل بأن المشروع الصهيوني ليس مشروعا دينيا بل هو مجرد ورقة استعمارية امبريالية. ويتبنى بن غوريون نفس هذا الخطاب، مع إضافة توابل الإشتراكية والشيوعية، عبر ماسمي بالصهيونية الإشتراكية التي إستفادت من يهود أوروبا الشرقية وروسيا، مع توظيف الثقافة الإشتراكية والصهيونية، واستثمار آليات الضبط والتنظيم. ولأجل الاستفادة من الدعم والإعانات..
وفي الشق اللاهوتي، توقف عند الدعم الذي تتلقاه الصهيونية من المسيحية الإنجيلية والأخروية.. والتي تستند إلى تفسير الملك الألفي، وهو شبيه بالأخرويات من علامات الساعة لدى المسلمين..
حيث توقف عند التفسير الحرفي، بناء على ما يروجه فريق سابقي الألف سنة، الذي يرى بأن المسيح هو الذي سيقوم بتكريس هذا الملك الألفي في بالتالي قيام دولة اسرائيل، ومن هؤلاء جماعة ناتوري كارطا التي ترفض الصهيونية والتجنيد وتنادي بضرورة إعادة فلسطين إلى أصحابها..
في المقابل، يرى الفريق الثاني من لاحقي الألف سنة بأن قيام اسرائيل يتماشى مع طرح التمهيد للمختار الذي يقود شعب اسرائيل نحو المجد، وهؤلاء هم من يؤيدون قيام دولة اسرائيل..
وفي هذا السياق جاءت عملية طوفان الأقصى لتبعثر كل الأوراق وتكشف عن هذا الوباء وهذه الهمجية التي شهدها العالم أجمع خلال العدوان على غزة، مما بات معه دعم هذا الكيان غير ممكن، كما نبه الإعلام الشعوب الأوروبية إلى خطورة هذا الكيان وممارسته للإبادة..
وهنا لابد من العودة إلى دور المثقفين العرب، والذي لابد له أن يقوم بتوعية الشباب بتآكل السردية الصهيونية من خلال القيام بمعارض وندوات وتشجيع مطالعة الكتب ومدونات المفكرين الذين يفضحون هذه الرواية من داخل البيت الصهيوني.
من جانبهم توقف الحضور على عدد من النقاط، من أبرزها الإشارة إلى أن الصراع مع الكيان يدخل في إطار صراع الحضارات اليذ أشار إليه صموئيل هنتغتون في مؤلفه المشهور، وإن خالف هذا الطرح آخرون استنادا إلى دعوة القرآن الواضحة في تبني الحوار مع أتباع الأديان الأخرى، من خلال قوله تعالى في سورة آل عمران-الآية 64: “ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا”
كما نبه بعض الحاضرين بأن الكيان الصهيوني مجرد قاعدة أمريكية متقدمة في الشرق الأوسط..كما قام آخرون بالإحالة إلى بعض الأعمال الرواية التي عالجت موضوع الضحية الذي تتقمصه اسرائيل، ويتعلق الأمر برواية مصائر لربعي المدهون، والتي تسلط الضوء على تجاوزات الكيان ضد الفلسطينيين ومقارنة ذلك بما كانت تفعله النازية باليهود في ألمانيا من خلال قصة لعائلة يهودية تعرضت الاضطهاد وفق سردية الهولوكوست، وكيف أن اسرائيل باتت تعيد نفس الممارسات ضد الفلسطينيين.
وفي تعقيبه على الردود والتفاعلات أشار البروفسور بن المقدم بأن الصهيونية المسيحية أو الإنجيلية قامت بتأويل النصوص الدينية القديمة لتلائم التحولات التي عرفتها المنطقة بعد قيام دولة اسرائيل. واليوم، بتنا نشهد فشل تحقيق الكثير من نبوءات الإنجيلية المسيحية، مما تسبب في ابتعاد الكثير من الشباب عنها لأنها كانت تربط وقائع بتواريخ محددة، لم يتحقق منها شيء.
كما ختم تعقيبه بالدعوة إلى ضرورة فهم وتفكيك الايديولوجيا الإنجيلية التي سيطرت على الإعلام الغربي لعقود. كما أشار بأنه لابد من تخصيص تكوينات على مستوى الماستر والدكتوراة لتفكيك هذه السردية وكذا الحداثة الغربية التي يتم بربطها زورا بالأخلاق والقانون، خاصة بعد أن فضحت ملحمة طوفان الأقصى الادعاءات الغربية بشأن هذه الحداثة. وعلى سبيل الختم، عرج على ضرورة توحيد الساحات وتجاوز الخلاف الطائفي لمواجهة هذه السردية وهذا الدعم البئيس بالتأسيس للعقل الاسلامي الذي يجمع ولايفرق، وهو الدور الذي بات يلعبه محور المقاومة في المنطقة
وفي النهاية، اختتم المسير هذه الندوة بالتأكيد على كلام الأستاذ بن المقدم بضرورة فتح أوراش أكاديمية لتعميق البحث في هذا الموضوع من أجل فهم أعمق للقضية الفلسطينية وإعادة تشكيل الوعي خصوصا لدى الأجيال الصاعدة ولتطوير طروحاتنا ونظرياتنا لمواكبة هذه القضية..
حيث وافقه الدكتور عباس كنعان، ودعا الجمع إلى الاشتغال على مؤتمر يسلط الضوء على كل أبعاد القضية الفلسطينية..
