مقالات

الثقة من اللاهوت إلى الحداثة

د. محمد بن المقدم

الثقة من اللاهوت إلى الحداثة

د. محمد بن المقدم[1]

تقديم:

يصعب فهم التحولات القيمية بالمغرب بمعزل عن التحولات التي عرفها الغرب في العصر الحديث. فقد أثر تحول المرجعيات الموجهة للفهم والفعل والقيم (الكوسموس، اللاهوت، العقلانية ثم تفكك المرجعية الواحدة وظهور التعددية والاختلاف) في النظر إلى الأبعاد القيمية لدى الإنسان. إن انتقال الفكر الفلسفي من فلسفة الذات، بقيمها العقلانية والموضوعية والتقدم إلى مرحلة التفكيك والتعدد والنسبية، أنهك البنيات الاجتماعية التي تحدد الاختيارات الفردية، والمؤسسات التي تضمن العادات وأنماط السلوك المقبول، بفعل تحللها السريع الذي جعلها غير قادرة على الاحتفاظ بشكلها زمنا طويلا، ففقدت دورها كأطر مرجعية لأفعال البشر. ومن بين الفاعلين المركزيين في إحداث التحول الاجتماعي: الدولة. هذه الأخيرة، مسها تحول جوهري آخر سواء بمكانتها أو بوظيفتها، فقد ظهر الانفصال قبل الطلاق المعلق بين كل من السلطة والسياسة. وانتقل جانب كبير من سلطة الدولة الحديثة إلى خارج الحدود، وصارت السياسة محلية تدبيرية، عاجزة عن الفعل العالمي. كل هذه التحولات، تمثل خلفية هيرمينوطيقية لفهم القيم الاجتماعية، ومنها قيمة الثقة. فما الثقة؟ وكيف تأثرت بهذه التحولات الفلسفية والاجتماعية؟ وما منزلتها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي؟

 الثقة بين الفهم اللاهوتي والحداثي:

عند الرجوع إلى التراث الفلسفي القديم والوسيط، نسجل صمتا غريبا[2] عن قيمة الثقة ووظيفتها السياسية والاجتماعية، والإشارات القليلة، تدرج الثقة في الأخلاق الفلسفية، ضمن بنية إشكالية مرتبطة بالذات التي تستحق الثقة، ومسوغات هذه الثقة وكيفيتها[3]. بيد أن التحولات الفلسفية والاجتماعية اليوم، دفعت الفلاسفة والاقتصاديين والسوسيولوجيين إلى الإلتفات هذه القيمة وإلى الانعكاسات السلبية لغيابها على جل القطاعات الإنتاجية ماديا وروحيا. يحمل هذا الاهتمام المتزايد، اليوم، مفارقات دقيقة. إذ يؤشر، أولا، على وجود أزمة ثقة. فكلما لاحت أزمة الثقة، تصبح الحاجة مستعجلة لإعادة تنشيطها. وكلما انتشر الشك والريبة والحيطة والحذر، سارعت المجتمعات إلى التساؤل عن قيمة الثقة بهدف إعادة إحيائها.  وينضاف إلى هذه المفارقة الأولى، مفارقة اخرى جد مهمة في نمط حياتنا الحديثة والمعاصرة؛ تتجلى في إظهار الثقة عبر المأسسة والتعاقد والتقنين الصارم للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، بطرق مختلفة، وهذه كلها علامات على بداية تبخر الثقة، وتحول في ماهيتها.

 ارتبط التحول القيمي كثيرا بتحول باراديغم   paradigmeالفهم والفعل، ففي النموذج اللاهوتي، اقتربت قيمة الثقة من التماهي مع الإيمان. وهذا الارتباط بين المفهومين ( الثقة والايمان confiance et foi) حسب جورج زيمل  George Simmel، يكشف ماهية الثقة كقيمة أخلاقية، فعندما نثق في شخص ما غالبا لانعرف لماذا؟ أو على الأقل لانستطيع شرح الأسباب الحقيقية لهذه الثقة في هذا الشخص وتصديقه؛ حيث يتم الانزياح اللاشعوري من الثقة[4] (وثق، يثق أي ائتمن) /الايمان المطلق في الله/، إلى الثقة العمياء في الإنسان. ثقة طفولية في الآباء، تغمر الإنسان دون قيد أو شرط وكأن العقل النظري، يجد نفسه أمام نهاية شروط إمكانه، ليس بمكنته إلا الميل. مما يكشف عن وجود بعد لامفكر فيه أو ما لايمكن تفسيره في علاقة الثقة.

   تقع الثقة بين الأمل والإرادة. فإذا كان الأمل هو رغبة غير قابلة للتنفيذ، متعلق بمواضيع شتى دون تحديد لآليات التحقق؛ والإرادة هي رغبة قابلة للتنفيذ والتحقق، ترتبط بموضوع محدد، وتسخر له الوسائل والإمكانات لتحقيقه، فإن الثقة أمل لاإرادي. أمل مبني ومتعلق بالمستقبل أكثر من الحاضر، بما نجهل أكثر مما نعلم. أمل تزرعه التجارب الإنسانية والمواقف الأخلاقية والسياسية. إنها أحد أوجه الايمان، المتعلقة بالغير الإنساني أكثر من تعلقها بالله. إنها إيمان بالإنسان. ولكنها ليست واجبا أخلاقيا، فلا تجب على أحد، وليس من حق أحد مطالبتنا بالثقة،  وللثقة معقوليتها الخاصة، فلا تسمح بتعدية الثقة وتعميمها، فثقتي في شخص ما لاتسمح له أو للآخرين تعميمها على أشخاص آخرين لأنها متعلق بشخص ما[5]؛ كما أنها لا تكون نافعة دائما، مما يحرك الشعور بالحذر والشك[6] وإن كان الإفراط في عدم الثقة في الغير علامة على عدم الثقة في النفس[7].

   ومع تفكك الباراديغم اللاهوتي، في الغرب، تمركز الفكر حول العقل. العقل الذي شرع في رسم حدود الممكن معرفته وفعله والأمل فيه. عقل تمكن من تحديد شروط إمكان وظيفته النظرية والعملية. واستقر لقرون على أن الإنسان بتناهيه المعرفي والأخلاقي، يبقى هو نقطة الارتكاز في الفكر والعمل. إن تناه الإنسان المعرفي والأخلاقي، يجعله منفتحا بشكل إرادي أو طبيعي، حسب المرجعيات، على الاجتماع البشري. وهذا الميل إلى الاجتماع هو بحث عن الاكتمال والاكتفاء الذاتي؛ وهو ما يدفعه للثقة بالغير، مما يجعل الثقة متجذرة في الطبيعة الإنسانية.

   وبعد إعادة بناء الاجتماع البشري على أسس تعاقدية، تبين أن الفردانية والبيروقراطية والديمقراطية ونزع السحر عن العالم أهم مظاهر العالم الجديد، عالم يكرس التضييق من دائرة اللامعقول وقطع مع التناغم والانسجام القبلي للكون، ويوسع من مجال الرؤية العلمية للعلاقات الاجتماعية. فرض الانتقال إلى العالم الحديث، التمييز بين البعد الأخلاقي والبعد السياسي للثقة في كل الفلسفات التي تربط جانبها الأخلاقي بالبحث عن الطمأنينة والسعادة. بينما كانت التجليات المؤسساتية للثقة في العصر الحديث، مؤشرا على عملية دهرنة للثقة[8] désenchantement de confiance ، حسب وصف  Gloria Origgi، وذلك في اهتمام الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والاجتماعيين بتقنين كل علاقة إنسانية، في محاولة منهم إطفاء نار الريبة والاحتراز من نفوس المواطنين والمستهلكين. ينتج عن ذلك كثرة التشريعات والقوانين المنظمة للعلاقات الإنسانية، من جهة؛ والشعور المؤقت بالثقة بين المواطنين، من جهة أخرى. وهذا ما يدخل العلاقات الإنسانية في دوامة مميتة؛ كلما غابت الثقة في مجال ما، لجأ المجتمع إلى التنظيم القانوني لذلك المجال الاجتماعي. وكأن العدالة diké غير قادرة على تأسيس النظام المدني، إذا لم تدعم بالثقة. من هنا يظهر، أن الثقة لا تكون حقيقية وأصيلة إلا عندما لا تكون في حاجة للإظهار والعرض. أما عندما نضطر لإبراز نسقيتها فذلك يؤشر على وجود أزمة، ويغذي  بالمقابل الشك والريبة[9].

   ومما يعزز الخوف هو الوعي بالهشاشة الإنسانية في بعدها العملي، لأن ذلك يفسر كيف تحمل الثقة في ذاتها بذرة الخيانة، وتتغذى على نقائص وشكوك الناس. أن تكون لك الثقة في شخص ما لايستلزم الاعتماد المطلق عليه. أن تثق في شخص ما يعني القبول اللامفكر فيه بإمكانية الخيانة والانقلاب. ولهذا لاتكون الخيانة مؤلمة إلا لأنها تفاجئنا من جوف الثقة. فالكائن الإنساني في حاجة للثقة لكنه لايستطيع الفرار دائما من هشاشته وضعفه وبالتالي من خيانته. وهذا ما يجعل الثقة والخيانة من تجليات الإنسانية.

   ومن الناحية الأنثربولوجية أيضا، وكانعكاس للتناهي الإنساني المعرفي، النظر إلى قيمة الثقة من خلال الحاجة والنقص، الحاجة إلى المعلومة. يوجد الغير في هذه العلاقة كسبيل ووسيلة لبلوغ معارف ومهارات لانمتلكها. وبدون توسط الغير، قليل من الأشياء التي ستكون في متناولنا. فهناك أعضاء في المجتمع يتحكمون في مجموعة من المعارف التي يحتاجها العالم من أجل العمل وتطوير معارف أخرى جديدة. وهذا البحث عن الاكتمال والتكامل بين الأشخاص هو أحد مسوغات فكرة المجتمع نفسها. فإذا قبلت المجازفة  وركوب الخطر بربط علاقة ثقة [10]مع الغير فلأن ما سأجنيه هو أهم من خطر المجازفة التي تدفعني للثقة في الغير. فوعيي بهشاشتي المعرفية والأخلاقية يجعلني أعرف أن الاكتمال يمر عن طريق الغير. وهذا العامل السيكولوجي يدفع الإنسان إلى ركوب خطر الثقة في الغير. وتسليم الوجود الذاتي أحيانا كثيرة لكفاءة وقدرات الغير لأنني لا أملك وحدي إمكانات الاكتفاء الذاتي. رمزيا، أعطي للغير سلطة على أفعالي الخاصة. ويزداد عادة منسوب الثقة في المتخصصين، بالرغم من أنهم قادرون على خيانة تلك الثقة المخولة لهم. إن حضور التخصص المهني يستدعي تلقائيا درجة عالية من الثقة، ومن ثمة بالقدرة على العمل في مجال لا تكبله القيود والقواعد[11].  وتتدنى درجة الثقة الممنوحة مع تدني مستوى الخبرات. فالعامل العادي يتطلب إشرافا أدق وقواعد أكثر.

يتبين إذن، أن هناك فرق بين تصور الثقة المبني على المماثلة مع نموذج الإيمان بالله، وتصور حداثي، يأخذ بعين الاعتبار هشاشة الكائنات البشرية وتناهيها المعرفي والأخلاقي من جهة، والمنفعة من جهة أخرى.

تجليات الثقة:

رغم أن الثقة دوما هشة إلا أنها هي أساس الروابط الاجتماعية. وتتعزز مركزيتها في حياتنا الاجتماعية لأن بفضلها نحقق أشكال مختلفة من القيم الأخرى. فقد اعتبرها علماء الاجتماع الأرض الخصبة التي ينبت فيها الرابط الاجتماعي، وكل خلل فيها، يهدد الروابط الاجتماعية بالتحلل، وسيادة الحذر والخوف، وتتحول معه الحياة الاجتماعية إلى جحيم لايطاق.  لاوجود لمجتمع، ولا تمدن ولا تحضر في غياب قيمة الثقة.

   للثقة مصاديق متنوعة، فقد تسم رابطة الأبناء بآبائهم، والمتعلمين بمعلمهم، وتكون دون قيد أو شرط، ثقة مفتوحة على اللانهائي. وهذا الإحساس بالثقة يوفر للفاعلين الأكثر هشاشة النمو والنضج، واكتشاف ذواتهم والعالم من حولهم. وتلقي بمسؤولية جسيمة على عاتق الآباء والمعلمين، في مساعدة الأبناء والمتعلمين على تحقيق الاستقلال الذاتي، لأن الثقة الكاملة اللامشروطة فيهم، لم تكن بفضل الاستحقاق ولا إلى كفاءاتهم كراشدين.

وبالعودة إلى تاريخ ظاهرة الزواج في المجتمع المغربي نستشف ما طرأ على قيمة الثقة من تحولات. لقد كانت الثقة هي أس الرابطة الزوجية ورأسمالها، ونتيجة التحولات السوسيولوجية والاقتصادية بدأت قيمة الثقة في التآكل، مما دفع المجتمع إلى محاولة ترميمها عبر تقنين علاقة الزواج وماسستها للحفاظ على ما فضل من منسوبها، مما يعني أن عقد الزواج كآلية لتوثيق الاتفاق بين الشريكين يخفي بين طياته غياب الثقة. وإقرار لاشعوري باحتمال الخيانة والغدر والأنانية.

 

  • الثقة والمؤسسات السياسية:

يعترف العديد من الباحثين بوجود أزمة ثقة تنخر العديد من الدول الكبرى[12]. تتجاوز الثقة كإشكال فردي وأخلاقي إلى الثقة كإشكالية مؤسساتية وسياسية. وما التعاقد إلا محاولة للحفاظ على الثقة والاطمئنان[13]، بين الأفراد بعضهم البعض وبين مؤسسات الدولة[14]. لكن أحيانا كثيرة، تصبح أزمة الثقة هيكلية، تعيق بلوغ الدولة نضجها السياسي. فكيف نفهم غياب الثقة في المؤسسات المغربية؟ وما آثارها؟

    بعد الاستقلال، ركز الفاعلون السياسيون على الإمكانات الدستورية والمؤسساتية والاقتصادية لبناء دولة حديثة دون الاكتراث للبعد الثقافي والقيمي. وهكذا دخلت أغلب مؤسسات الدولة الحديثة إلى المجتمع المغربي بالعنف المادي أو الرمزي، ودون حوار وتواصل حول الجدوى من التحديث. فهدمت المؤسسات التقليدية دون أن تتمكن تلك المؤسسات البديلة الحفاظ على مكاسب وفعالية ومصداقية المؤسسات التقليدية. فقد تم تفكيك القبيلة والبطون والعشائر مع المحافظة على العقلية القبلية في تسيير القيادة والباشوية والدائرة وباقي الجماعات الترابية؛ وظهرت قلة فعالية المحاكم بالمقارنة مع الطريقة التقليدية في فظ النزاع، فأصبح لدينا مؤسسات عصرية بعقلية تقليدية. وهذا ما يمكن أن يفسر صعوبة اندماج تلك المؤسسات في شرايين المجتمع. وتحولت الغربة والغرابة إلى عداوة مع اشتداد الأزمة السياسية بين النظام الحاكم والمعارضة اليسارية. فسيطر النظام على مؤسسات الدولة وسيطرت المعارضة على العديد من فئات المجتمع المتعلم. ومع اشتداد الصراع، ركزت المعارضة على التشكيك في شرعية ومشروعية السلطة الحاكمة؛ نتج عنه بشكل غير مباشر، فقدان المواطن الثقة في كل ما تقوم به مؤسسات الدولة، بما فيها المبادرات والمشاريع التي تكون في صالح الشعب، فكانت الكلفة جد مرتفعة. ورغم مجيء حكومة التناوب تضم فاعلين سياسيين من المعارضة السابقة، لم تستطع لا الحكومة ولا الأحزاب السياسية إرجاع الثقة التي فقدت، بل توسعت رقعة عدم الثقة، لتشمل ماتبقى من الأحزاب ومؤسساتها الموازية أيضا (نقابات وجمعيات…).

وازداد الأمر سوءا، بظهور انفصال بين السلطة والسياسة. حيث تبين أن جانبا كبيرا من سلطة الحكومة/الدولة يوجد خارجها. وهو ما ساهم في تقويض الصلة بين المؤسسات السياسية ومبادراتها ومشاريعها من ناحية، وما يعانيه المواطن من مشكلات حياتية من جهة أخرى. مما نتج عنه تآكل قدرة المؤسسات السياسية(الحكومة) على جذب اهتمام المواطن، وفقدانه الثقة في مؤسسات الدولة والمؤسسات الوسيطة معا.

   وفي ظل غياب الثقة في مؤسسات الدولة، يظهر النزوع الديماغوجي الذي يوهم فئات من الشعب أن اوامرهم الشعبية سيدة، ومطلقة، وفوق القانون، وذلك لاستبدال سيادة القانون بتلك الأوامر لأنه يعرف أن قوة خطابه تزداد في ظل غياب القانون، وترتفع اسهم اوراقه التفاوضية[15]. ويشترك الديماغوجي مع شخص سياسي آخر ، هو المتملق، في كونهما معا محل ثقة. الديماغوجي محل ثقة الأمة التي عمها الفساد والمتملق محل ثقة الطاغية[16].

   إن تخلي الدولة التدريجي عن دورها الاجتماعي، يقوض أسس التضامن الاجتماعي المنتظر. ويحول المجتمع إلى مجرد كلمة جوفاء[17]. والأكثر من ذلك، نصبح في مجتمع الشك والارتياب une société de défiance، مجتمع سريع الثأر، مبني على معادلة إذا ربحت أنت سأخسر أنا، مجتمع الصراع والنفاق والعدوانية والانغلاق[18]. وما اعتقاد المواطن المغربي، بأن الفساد أسرع وسيلة لتسلق سلم النجاح إلا علامة على غياب الثقة في مؤسسات العدالة والقانون والمؤسسات الممثلة لمصالح المواطنين[19].

تزداد خطورة قيمة الثقة سياسيا، عندما ينحو نظام سياسي ما نحو الاستبداد. وذلك لأن من أهم أساليب الحكم المستبد: أولا، إعدام الثقة بين المواطنين، وذلك لمنع الاتحاد والتشاور. إن ثقة الناس في أنفسهم وثقة الآخرين فيهم، واستبعاد الخيانة بينهم، هو ما يقلق الطغيان لاموقفهم من الطغيان نفسه. ثانيا، تخفيض المستوى الأخلاقي للمواطنين، لأن النفوس الوضيعة، تفقد الثقة في نفسها، فلا تفكر ابدا في محاربة الطغيان. ثالثا، تفقير الشعب. يلجأ الطاغية، إذن، إلى القواعد الثلاثة الاتية: إعدام ثقة المواطنين بعضهم ببعض وتسفيل اخلاقهم وتفقيرهم[20].

وبغياب الثقة تتفكك الروابط الاجتماعية، ويرتفع مخزون الخوف. وسرعان ما تلتقط الأنظمة الحاكمة والفاعلون الاقتصاديون رائحة الأدرينالين المنبعثة من الأجساد الخائفة والقلقة، ويحولونها إلى رأسمال لتأبيد بقائهم ومصالحهم، عبر تمرير سياسات أمنية، وتسويق أنظمة وأجهزة حماية (كاميرات في الأبناك والشوارع والأحياء)، نظم التأمين، شركات الحراسة، خصخصة بعض الأفعال الأمنية، فيصير الخوف صناعة واستثمارا مؤسساتيا وليس إحساسا فرديا فقط.

الثقة قيمة اقتصادية:

يؤكد أغلب الاقتصاديين، أن للثقة تأثير مباشر على المردودية والإنتاجية[21]، باعتبارها تسهل الترابط والتنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين على مستويين مهمين: حركية المعلومة ونشر الابتكارات؛ بمعنى أن الفعالية الاقتصادية للثقة، تستند على العلمي والمعرفي، من خلال انتقال المهارات، مما يرفع من التنافسية، ويعطي معرفة جيدة بالبيئة الاقتصادية عامة. وعندما تغيب الثقة، فإن ذلك يعيق قدرات التعاون بين الموارد البشرية، مما يحدو بالدولة إلى تقنين علاقات العمل في أدق تفاصيلها، وإلى جعل الأسلوب القطاعي والفئوي هو أساس التمايز الاجتماعي، وهو مايفكك روح التضامن الجماعي[22].

مع حلول القرن 18، ارتبطت الثقة بتحقيق المنفعة. وكان آدم سميت أول المدافعين وروسل هاردين آخرهم Russel Hardin. وفي مقدمة كتابه «الثقة والمصداقية» عبر عن علاقة الثقة بالمصلحة. وتكمن الفكرة الأساسية في هذا الإطار، في أن الفاعل (أ) يثق في الفاعل (ب)، لأنه مقتنع بأن (ب) سيأخذ في الحسبان مصالحه، وأن تحقيق المصالح سيكون في صالح الطرفين[23]. إذا قمنا بتنزيل هذه الفكرة على العلاقات التجارية بين شركة ومستهلك، فإنها ستصبح جد محددة: فمن مصلحة الشركة أن تتبع العلاقة إلى مرحلة الشراء وإلى ما بعدها.

تنطلق مختلف المقاربات الفلسفية من كون الثقة ظاهرة تتوالد وتتغذى ذاتيا. الفاعل يبحث عن نيل الاعتراف واستحقاق الثقة فيه لأنه يعرف أن هذه الثقة فيه ترفع من إمكاناته في نسج علاقات أخرى للثقة في المستقبل. وهنا يحضر مفهوم السمعة بشكل أساسي. أن أكون إنسان ثقة فهذا بمثابة وعد بالمستقبل، ويدخل في تحقيق مصالحي. بالنسبة للشركة، تسمى السمعة: وفاء المستهلك la fidélité du consommateur بمعنى الأمل في تأبيد علاقة الوفاء بين المستهلك والشركة. لكن بيع وترويج دواء يعرف منتجوه أنه مضر لصحة المستهلك لايمكنه أن ينتج إلا كسر علاقة الثقة.

ورغم غياب دراسات ميدانية دقيقة حول انعكاسات فقدان الثقة في الشركات المغربية على الاقتصاد الوطني، فإن ضعف تنافسية المنتوج الوطني خاصة في السوق الداخلي، والنفوذ الكبير للواردات، يؤكد أن الكلفة باهظة على الاقتصاد الوطني، وتحتاج إلى إجراءات مستعجلة لتعزيز الثقة في المواطن والمؤسسات ومنه إلى المنتوج.

نستخلص، أن التحول القيمي بالمغرب مرتبط بتحولات داخلية وخارجية موضوعية، لأنه لايمكن فصل المجتمع المغربي عن سياقه الكوني. وأن لقيمة الثقة أبعادا متنوعة، أخلاقية تنظر للثقة ضمن سياق لاهوتي ديني، ينشد الطمأنينة اللامفكر في جوهرها؛ وسياسية مؤسساتية، كانت نتيجة التحول الذي مس مرجعية الفهم والقيم. فحصل نوع من عملية دهرنة لقيمة الثقة عبر أشكال من المأسسة والتعاقد والتقنين، بعدما صار الاطمئنان الكامل متعذرا في أفعال الكائن البشري، المهدد بالسقوط في الشر والخطأ.

لائحة المراجع:

  • أرسطو، السياسة، ترجمة لطفي السيد، النهضة العربية للكتاب، 2008.
  • زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة، العيش في زمن اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017، بيروت.
  • فوكو ياما فرانسيس، الثقة، الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط1، 2015، قطر.
  • Alain Peyrefitte, la société de defiance, edition Oedib Jacob, paris, 1995.
  • André comte-sponville, Dictionnaire philosophique, Quadrige, PUF , 2013 , Paris.
  • Frank Martin, le pouvoir des gentils, les règles d’or de la relation de confiance, Eyrolles, 2015.
  • Gloria Origgi, Qu’est-ce que la confiance, Vrin, 2008.
  • Hardin, Russel, Trust and Trustworthiness, published by the Russel Sage Foundation series on trust volume 4, New York, 2002.
  • Hardin, Trust and Trustworthiness, published by the Russel Sage Foundation series on trust volume 4, New York, 2002.
  • Michela Marzano, Le contrat de défiance, Grasset, 2010.
  • Paul Faulkner and Thomas Simpson, the philosophy of trust, Oxford University Press, First edition, 2017.
  • Russel Hardin, David Hume, Moral and Political theorist, Oxford, University Press, 2007, New York,

[1] . أستاذ فلسفة الدين والفلسفة السياسية، مختبر الدراسات الرشدية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس. benlamkaddemmohammed@gmail.com

[2] . Paul Faulkner and Thomas Simpson, the philosophy of trust, Oxford University Press, First edition, 2017.

[3] .ibid,p. 232.

[4] . «وثق : الثقة مصدر قولك وثق به يثق، بالكسر فيهما، وثاقة وثقة ائتمنه. رجل ثقة. جمع ثقات. يقال: رجل ثقة، امرأة ثقة، وهم ثقة. ويجمع على ثقات. والميثاق: العهد من الوثاق، وهو في الأصل حبل أو قيد يشد به الأسير أو الدابة. لسان العرب. لسان العرب ص. 11190.  كما أن الجذور اللاتينية لكلمة إيمان Foi, fides, وفعل croire, credere يعبرون على فكرة الثقة.

[5] . Russel, Hardin, Trust and Trustworthiness, published by the Russel Sage Foundation series on trust volume 4, New York, 2002, p. 13.

[6] .André comte-sponville, Dictionnaire philosophique, Quadrige, PUF , 2013 , Paris, p.19.

[7] . Frank Martin, le pouvoir des gentils, les règles d’or de la relation de confiance, p. 62.

[8] . Michela Marzano, Le contrat de défiance, Grasset, 2010.

[9] . Gloria Origgi, Qu’est-ce que la confiance, Vrin, 2008, p.9.

[10] . Russel, Hardin, Trust and Trustworthiness, published by the Russel Sage Foundation series on trust, volume 4, New York, 2002, p. 12.

[11] . فوكو ياما فرانسيس، الثقة، الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط1، 2015، قطر، ص. 386.  Francis fukuyama, Trust, the social virtus and the creation of prosperity, 1995.

[12] . Russel, Hardin, Trust and Trustworthiness, p.151.

[13] . Russel Hardin, David Hume, Moral and Political  theorist, Oxford, University Press, 2007, New York,      p.74.

[14] . أحد أكثر أشكال مأسسة للثقة هو ما جاء في الفصل 103 في الباب الخاص بالعلاقة بين السلط من الدستور المغربي، المتعلق بمنح الثقة للحكومة وشروط سحبها: يمكن لرئيس الحكومة أن يربط، لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه. لايمكن سحب الثقة من الحكومة، أو رفض النص، إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء، الذين يتألف منهم مجلس النواب. لايقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على طرح مسألة الثقة. يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.

[15] . أرسطو، السياسة، ترجمة لطفي السيد، ك6ب4ف6، النهضة العربية للكتاب، 2008.

[16] . أرسطو، السياسة، ك6ب4ف5.

[17] . زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة، العيش في زمن اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017، بيروت، ص. 26.

[18] .Alain Peyrefitte, la socièté de defiance, edition Oedib Jacob, paris, 1995, p.9.

[19] .Alain Peyrefitte,la société de défiance, p.10.

[20] . أرسطو، السياسة، ك8ب9ف8.

[21] . شكلت قيمة الثقة، أحد دوافع فرنسيس فوكوياما لتأليف كتاب الثقة:  الفضائل الاجتماعية ودورها في تحقيق الرخاء الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط1، 2015.

[22] . اعتبر فرنسيس فوكو ياما فكرة الثقة مثالا للدور الذي تلعبه القيم الثقافية في الاقتصاد . فإذا كانت نسبة 80٪  من نجاح المشاريع الاقتصادية، تعود إلى عوامل اقتصادية (تخطيط ورأسمال مادي وبشري)، فإن 20٪ تحددها البنية الثقافية  للموارد البشرية (قيم وعادات وأعراف). وجاء هذا الاستنتاج من خلال مقارنة طريقة تعامل  شركات ألمانية  ويابانية وأمريكية مع الأزمات الاقتصادية. أنظر، فوكوياما، فرنسيس، الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في الرخاء الاقتصادي، الجزء الأول المعنون بفكرة الثقة: قدرة الثقافة الهائلة على إقامة المجتمع الاقتصادي.

[23] . Hardin, Russel, Trust and Trustworthiness, p.3.

مشاهده بیشتر
زر الذهاب إلى الأعلى